يقبل إلا ما فيه المنفعة، العقل لا يُقر من العلوم إلا ما كان فيه مصلحة وما كان صوابًا قبل ذلك، واضح تفسير الكلام؟
فإذًا ماذا عمل هذا الرجل الثاني؟ أخذ العلوم الشرعية وبدأ يُديرها في عقله حتى التقت المعالم الشرعية مع التقريرات العقلية، اسمع هذا الذي حصل لديه، هذا الشخص الثاني.
هل هناك مرتبة ثالثة؟ لنرى لأين سيوصلنا الشيخ، مرتبة عظيمة، لكنه يقول منبّهًا على هذه الحالة الثانية -هي مرتبة خفية لكن موجودة- أن هذا الرجل، حالتُه مع العلم لم تصل إلى أن تُصبح مَلكة نفس، هو يحملها، لكن متى يحضرها؟ فقط لما يستحضرها، لكن سلوكه قد يوافق وقد يخالف، أو أنه بيْنَ العلم الذي استقر في عقله وبيْن ما تستقر عليه نفسه، من الرغبة والهوى ما يُحدث صراعا، لكنه يدرك الحكمة، أظن أن الكلام بيّن الآن.
ماذا يقول الشيخ؟ انتبهوا، هذه الكلمة حبذا لو تضعونها في أول كتاب، وأنتو فاضيين وجالسين مع الأهل تتأملوها؛ لأنها أشبه بحِكم الوجود التي قالها حكماء أمتنا، هذه الكلمة منها، هذه الكلمة تضعونها وتكتبونها، وبين حين وآخر ترجعون إليها لجمالها وروعتها، وعظم دقة قائلها، ماذا يقول الشيخ؟
قال:"إلا أنه بَعدُ"
أي: هذا الشخص، إلا أنه ما زال هذا الرجل
"منسوبٌ إلى العقل لا إلى النفس"
أظن أن هذه كلمة نكتفي بقراءتها لوضوحها، أو أنها تحتاج لشرح؟
هذا الرجل ما زال منسوبا في علمه إلى عقله ولم يُصبح العلمُ سمةَ نفسٍ، ما زال سمة عقلٍ عنده، ما زال هذا العلم لم يصبح سمةً لنفسه، كيف"لنفسه"؟ هل هذا يعني أن الإنسان أشياء متعددة؟ الجواب: نعم، الإنسان أشياء متعددة، والدليل أنك أنت تغضب من نفسك، والدليل أن عقلك يقول لك هيك ونفسك تقول لك هيك، والدليل أنك تحب شيئا وعقلك يخالفه، أنت لست شيئًا واحدًا.