ما زال الشيخ -رحمه الله- مع المقدمة السابعة، وهي أن كل علم شرعي إنما طلبه الشارع على جهة كونه وسيلة إلى التعبد لله -عز وجل-، وهنا أفاض الشيخ في الأحاديث والأقوال الدالة على أن مقصود العلم هو العمل، وهذا أيها الإخوة الأحبة، هذا الأمر بَيِّن وواضح، يعني هذا الأمر لا يحتاج إلى كثير وإطالة مقال.
ولكن لا بد من التنبيه على نقطة مهمة جدًا، وهي أن العلم بنفسه عمل، وإنما يُقال هذا الكلام عندما نجد الرجل قد خالف عمله علمه، هذه قضية مهمة، هذا الكلام الذي قاله الإمام الشاطبي نقلًا عن كتاب (جامع بيان العلم وفضله) لأبي عمر ابن عبد البر، إنما يُحتج به على من خالف عمله قوله، فحينئذ يقال:"أنت لم تنتفع في علمك شيئًا"، لكن العلم بنفسه عمل، وطَلب العلم بنفسه عبادة، أن يطلب المرء العلم عبادة، وأن ينشره بين الناس عبادة، وأن يتقفر مسائله ليستنبط منها المسائل التي تنفع الناس عبادة.
فالعلم له مقصودان: مقصود لذات العلم، لأنه بذاته -أي العلم- شرف، وقد يقول قائل: شرفه بأن يورث مقاصد أخرى، نقول: كذلك العمل، العمل كذلك ليس المقصود منه حركة البدن، كما أن العلم ليس المقصود منه أن يتلفظ بلسانه ما يعلمه. ما يُقال في العلم من أنه ليس مقصودا كذلك يقال في العمل، ولكن العلم على الجملة يورث الخشية والتقوى، كما أن العمل يورث الخشية والتقوى، يعني، أضرب مثالا: رجل يقوم الليل ثم يصبح في نهاره عاصيًا، فيقال له: ماذا أحدث فيك قيام الليل؟ وإنما مقصود قيام الليل أن تعبد الله وأن تتقيه وأن تخشاه وأن تجتنب معاصيه، هو يُقَويك، كما قال الله -عز وجل-: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} ، أن هداك الله لأمر -وهو قيام الليل-، فعليه أن يجدك هدى بترك المعاصي في النهار. هذا الذي قلناه في العمل -وهو قيام الليل-، نقوله في العلم، فحين يأتي المرء إلى مسألة من مسائل العلم، ثم يأخذها في الليل أو يأخذها في النهار فيخالفها فيما تعارض منها من الوقت، إذا أخذها في النهار عارضها في الليل، نقول له: ما فائدة علمك؟ كما قلنا في الأول: ما فائدة صلاتك؟ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ ولذلك العلم له مقصدان: مقصد يتعلق بذاته، لأن العلم في ذاته شرف، وأن طلب العلم بذاته عبادة، وأول درجة