ما يهمني هنا، الشيخ -رحمه الله- جاء إلى الآيات الدالة على هذا المعنى، وهو أن مقصود الشارع حصول التعبد، وانظروا إليه -عليه رحمة الله- أنه لم يسق الآيات على وفق ورودها في القرآن صحيح؟ وإلا لكانت الآية {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} هي أول آية لأنها هي التي في سورة البقرة، ولكنه بدأ لنا بآيات أخرى، لو تأملتم هذا السبب، لو رأيتم السبب الذي دفع الإمام لهذا، هل هو على جهة ما خطر على باله فيكتبه؟ أنا لا أتصور أن علماءنا ينثرون الكلام على هذا المعنى، أنا لا أتصورهم، وذلك لخبرتي بكلامهم، لا يفعلون هذا، يأتي أحد يقول: أنت تفلسف وأنت تتوقع أن كل شيء مربوط بحكمة، يعني هكذا فهمت كلام العلماء، ولما تأملته على هذا المعنى وجدته مطَّرِدًا، أن العلماء لا ينثرون الكلام هكذا يرمونه يقولون: اذهب، خذه، لماذا؟ لأنهم يتعبدون الله، جماعة يتعبدون الله ما يضحكوا على الناس ويلفقوا عليهم، لما يتعبد المرء ربه يجري على قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يحب من العبد إذا عمل عملًا أن يتقنه) ، يجري على هذا، ويريد أن يعبد الله، ويريد لهذا الكتاب يوم القيامة أن يأتي في صحيفته، فهو لا يريده إلا على معنى من معاني الحكمة التي يحبها الله والتي تُظهر علمه، هذا واحد، أنا أفهم هذا من كلام علمائنا، وثانيًا أنهم يستحيون من الناس، الأولى هي استحياء من الله أن يقدموا له عملا غير متقن، يستحيون من الله أن يقدمون عملًا غير متقن، كمن يقدم صدقة ليست طيبة، هذا لا يستحي من الله، فالذي يستحي من الله يقدم له الطيب، وكذلك هم يستحيون من الناس، وأعظم الناس أمامهم هم العلماء، هو يريد أن يقدمه للعلماء، والعلماء لهم عقول نفاذة، وبصائر قوية يلتقطون هذا الكلام ويفهمونه، يعرفون ويمشون معه، فهذا الذي يدفعني أن أقرأ كلام العلماء بهذا النظر، وهو أنهم لا يرتبون كلامهم على غير وفق الحكمة، بل يرتبون كلامهم على وفق الحكمة، هذا مبدأ من مبادئ قراءة التراث؛ ولا أدري أقلتها لكم أم لا، لكني أقولها هنا -انتبه-: إن الأمة ما ورثت ولا أنشأت علمًا إلا من القرآن، صحيح؟ وسر القرآن امتحان صاحبه، قلتها هذه؟ سر القرآن امتحان صاحبه، لا يوجد على ظهر الأرض كتاب يمتحن صاحبه كما يمتحن القرآن قارئه، القرآن يمتحنك ويمر، كيف يمتحنك؟ كما تمتحن -ولله المثل الأعلى- أنت ابنك بتخبئة الجواهر له وتقول له: ابحث عنها، انظر، اقرأها على هذا المعنى، فهو يمتحن صاحبه، يمتحن قارئه، هذه الجواهر، ابحث عنها، لماذا يُرتب، وهكذا.
ولذلك العلماء أنشؤوا العلوم كلها في القرآن على وفق امتحان القرآن لهم، كيف؟ ما معنى هذا الكلام يا مشايخ؟ أن العالم يأتي ويقول: علم المناسبة -مثلًا، أضربُ مثالا بعلم المناسبة-، ما معنى علم المناسبة؟ هو علمٌ موجود في أذهان علمائنا القدماء لكنه نشأ متأخرا، وهو المناسبة بين