فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 809

لما ذكرنا قضية الشعر الجاهلي وماذا ترتب عليه، من ذلك أن القرآن كلام الله، لما يأتي المعتزلي ويقول: القرآن مخلوق، انظر إلى درجة تأثر النفس الإنسانية عندما تقرأ أن القرآن كلام الله، عندما أنت تردد على لسانك، وتسمع بأذنك، وأنت تعلم أن الله هو الذي تكلم هذا الكلام، وأن هذا الكلام يُعبر عن مراد الرب ويكشف نفسه، فهذا الذي أحدث هذا المعنى في نفوس الصحابة. ولما تأتي وتقول أن هذا الكلام مخلوق، فأنت تنظر إليه كإبداع المخلوق، كإبداع الخالق للمخلوق، والله يبدع في هذا الكون من الإبداعات الخلقية التي نراها في السماء وفي الأرض وفي الأنفس وفي الآفاق إلى غير ذلك، ولكن أين هذا الأثر أنك تردد كلام الله؟ هذا شيء كبير، ما يهمنا هو البناء النفسي. ولذلك يمكن للرجل أن يتكلم -إذا قلنا أنه مخلوق-، يمكن بعد ذلك أن يتكلم عنه ما يتكلم.

الآن نحن نتكلم عن هذه الكلمة الخطيرة التي قالها الأوائل من الفلاسفة والمتكلمين، أن طريقة القرآن خطابية، ما معنى خطابية؟ مثل ما نقول اليوم: أنت جاي تخطب علي؟ بمعنى أن كلامك يفقد العلمية، ويفقد النقاش البرهاني العلمي، أنت بتخطب علي؟ هذا هو المعنى، فلا ترفع صوتك، لأن قوة الخطاب ليست برفع الصوت، أو بالكلمات الفاقعة التي لا قوة لمعناها في داخلها، كلمات قوية لكن بداخلها الفراغ.

فالقرآن، يقولون خطابه خطابي أو إنشائي؟ خطابي. لماذا؟ لأنه يقفز إلى النهايات مع أحكامها، هكذا يقولون، يقفز إلى الأحكام، إلى النهايات -وهي الأحكام-، مع نهايتها، مع أحكامها التي تترتب عليها من الوعظ، من الجنة والنار، كل هذا لا يصلح إلا للعوام، وأما الخواص فيجب أن يُخاطبوا بالخطاب البرهاني، الخطاب العقلي. هذه الكلمة اليوم تجدونها، صحيح؟ تجدونها، يقول لك: احنا جالسين جلسة حوار، فلا تقل لي:"قال الله وقال الرسول"، لا تُدخل الدين في الموضوع.

كل هذه الكلمات التي تقال اليوم هي نِتاج هذه الكلمة المجرمة التي قيلت قديمًا، ويستغلها من يستغلها من المعاصرين من أعداء الدين، مع أن القرآن هو كتاب الجدل، والجدل الإيجابي، وكتاب المناظرة؛ إبراهيم -عليه السلام-، مناظراتُه في القرآن من أعظم المناظرات، وبناء النتائج على المقدمات في القرآن شيء معلوم، عندما يتحدث عن الآخرة، لما يأتي إلى القدرة الإلهية فيتحدث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت