العوام أذكياء أدركوا أن المسألة فيها قولان فسهل جدًا طالما فيها قولان والأحب إلي كذا؛ لأنها تحقق المصلحة.
إذن، هو يستطيع أن يقول كل مسألة فيها قولان والمسألة هذه أفضل لأنها تحقق المصلحة، أليس هذا هو تخريج عامة ما يقع لفقهائنا من نوازل؟ هذا تخريجهم، المسألة فيها أقوال وخير الأقوال ما ناسب المصلحة والمصلحة كذا .. لكن أين المصلحة الملغاة وغير الملغاة وبأن المصلحة تقدم وتؤخر هذه لا وجود لها ولا ضوابط فيها.
ولذلك أول ما يعلمنا أصول الفقه أن نضبط طرق الاستدلال، يعلمنا كيف نستدل وبالتالي يعلمنا بمفهوم المخالفة كيف ندرك خطأ الأخر، مرات قلوبنا لا تطمئن لقول، لكن لا نعرف كيف نرد عليه، لماذا؟ لأننا لا نعرف طرق الاستدلال، نرى أنه يخالف السنة، عجيب .. هذا كلام لا نعرفه أو أن قلوبنا لا تطمئن إليه، حتى هذا الاطمئنان القلبي موجود في أصول الفقه، يا شيخ؟ نعم موجود.
يعني هل يوجد في أصول الفقه مرجح اطمئنان قلبي؟ موجود أنك تذهب له وتنظر ما مرتبته في الدلالة ومرتبته في قوة الدليل، وهل هو ملزم لك فقط أم ملزم لغيرك إلى آخره .. حتى هذه يبحث فيها أصول الفقه.
وبالتالي فإن دراسة أصول الفقه تقوي لديك ملكة الاستنباط التي تضبط عندك الوقوع في الخطأ وتضبط كذلك عند الآخرين سعار سوق الفتوى، الدليل وغير هذا وهذا حديث يرد وحديث يقبل .. كل هذا لا يعرفون مناهج العلماء الأقدمين فيها، ولما سمعوا من علماء أن الشافعي قد أخطأ لذا فهم يستطيعون أن يقولوا بأن الشافعي قد أخطأ، وعندما يقولون بأن الإمام أحمد ثرب وشدد النكير على أبي ثور نسطيع نحن أن نقول ذلك عن عالم كما قال الإمام أحمد عن ثور، وهكذا.
وأحمد بن حنبل عالم وأنا عالم، كان لديه رأيه وأنا لي رأيي، وإذا كانت المسألة أراء أنا عالم أيضًا ولي تجارب في الحياة هذه هي المسألة الأولى.
المسألة الثانية أن قراءتنا لأصول الفقه هي تنمية لعقولنا، ليس فقط ملكة الإستنباط لا، قلنا بأن أصول الفقه شقه الأول هو العقل ولكن نقصد بالعقل هنا العقل المهتدي والعقل الفطري، علماؤنا الأقدمون يجعلون العقول عقلين: عقل طبيعي فطري وعقل صناعي، ما الفرق بينهما؟