الزمان فيما يقال، والله اعلم. فكثرت هذه القبائل حتى شحنت ارضهم بهم، وعظمت اموالهم، وكثر نسلهم. فأشروا وبطروا وطغوا واستكبروا، وكانوا جميعا قوما جبابرة ذوي اجسام واحلام، فنسوا احسان الله ذى الجلال والاكرام اليهم واسباغ نعمته عليهم، فطغوا وعتوا. فبّدل الله، ذو الجلال والاكرام، اليهم خلقهم، فصاروا نسناسا، للرجل والمرأة منهم نصف رأس ونصف وجه وعين واحدة ونصف بدن ويد واحدة ورجل واحدة. فخرجوا عن بلادهم، يهيمون على وجوههم، ويرعون في تلك الغياض التى على شاطئ البحر، لا يدرك «1» طرفاها. قال: فبينا نحن نسير اذا بشيخ منهم طويل كالنخلة، له نصف راس وعين واحدة ونصف بدن ويد ورجل. فلما ابصرناه؛ فزع منا، فمّر هاربا فزعا على رجل واحدة.
يحضر اسرع من حضر «2» الفرس العتيق وهو يرتجز ويقول:
فررت من خوف «3» الشّراة شدّا ... إذ لم اجد من الفرار بدّا
قد كنت دهرا في شبابي جلدا ... فها أنا اليوم ضعيف جدا
قال: فارضهم على ما كانت من كثرة الخير وظهور المياه وكثرة الكلأ والثمار. الّا ان النمل قد غلبت عليها كل نملة كالجمل البختّي تستلب «4» النملة الواحدة الفارس عن فرسه فتبتلعه. ويقال، والله علم: ان الاسكندر رحمه الله الذى يعرف بذى القرنين دخل تلك الارض في جنوده وعساكره فهلك من اصحابه زهاء مائة الف وخمسين الفا ممن ابتلعه النمل.
قال وذكر اللسين «5» ان الغالب على تلك الارض الجّن وما فيها من النمل.
قال: وحدثنى رجل من ثقيف عن ابيه عن جده، قال: بينا نحن بسوق عكاظ، وكانت اعظم اسواق العرب في الجاهليّة، يجتمع اليها الناس من تهامة والحجاز، ونظرنا الى رجل منهم صغير القامة على قدر الشاة، وقد توسّط السوق، فنادى في الناس: ايّها الناس هل فيكم من يسوق لنا تسعة «6» وتسعين ناقة الى ارض وبار فيؤديها في «7» جملة صبار. قال:
فاجتمع الناس ينظرون اليه. فلما رأى ذلك؛ غمز بعينه، فارتفع به في الهواء ونحن ننظر
(1) . هنا: لا يدركون، النهاية: لا يدرون
(2) . تاريخ: يخطر ... خطر
(3) . جور؛ هكذا في معجم البلدان: م 5 ص 308
(4) . هنا: فيستلب، النهاية: يسلب
(5) . تاريخ: السبيتى
(6) . هنا: سبعة
(7) . هنا: الى