الحوانيت ابوابها مغلقة، ولم يرفي السوق احدا يسأله عن الخبر. فسقط «1» في يده، وخاف على نفسه وعلم: ان ملكه لا يتّم الا برعيتّه. فمكث ثلاثا لا يذوق طعاما ولا شرابا، ودخلته وحشة وغمّ. فلما كان اليوم الرابع، أتاه عظيم من وزرائه، وكان ممّن تغيب مع الناس، فأخبره الحاجب بادخاله عليه. فلما دخل، قال: اين كنت ايّها الوزير، واين اهل المملكة يا حقير؟ قال الوزير: ايها الملك هربوا جميعا من فظاظتك وغلاظتك وزهوك ولهوك وانت مغترّ بدنياك، وزهوك، فما أدري اين ذهبوا ولا اعلم اين هربوا؟ فمن اجل ذلك غبت عنك. فانظر هل يصلح ملكك الا بالرعية. وانما انتم معاشر الملوك كالسفينة التى لا تصلح الا بركابها، الذين يديرون سيرها، ويصلحون امرها، وينجون سكانها، ويعلمون مجاديفها ومراسيها، ليسلم لهم ويسلمون فيها. فما بالك تركت ما كان عليه آباؤك من الرأفة والرحمة وحسن السّيرة واظهار البرّ لرعيتّهم؟! قال بهرام ايّها الوزير: عليّ بهم، لهم الله عليّ راع، وكفيل ان ارجع لهم الى ما يحبّون، ولقد صدقت فيما قلت، ولعمري لا يتمّ ملكي إلا بهم، ولا يتمّ امرهم الّا بي، ولا يستقيم امري الّا بهم. فخرج الوزير، فأعلم القوم، فانصرفوا الى اماكنهم، ورجعوا الى السّمع والطّاعة، ورجع لهم الملك أي «2» ما احبّوه من العدل والانصاف، وتلطّف بالناس غاية الالطاف، وتفكرّ في عظمة اللّه وقدرته على خلقه، وعلم انّ الملك كلّه زايل. فكره المجوسيّة لنكاح الرجل امّه واخته، وانف من ذلك انفا شديدا. فبعث الى ملك الهند، وكان على دين النصرانيّة، وسأله ان يوّجه اليه بعض نسّاكه ليسأله عن امر دينه. فوجه إلله سبعة نفر من الرهبان قد نحلتهم العبادة وفى اعناقهم المصاحف وعليهم جباب الصوف، فسألهم عن ربّهم، فقالوا: ربّنا اللّه وديننا دين عيسى بن مريم نبينّا، عليه السلام، وفرشوا امر النصرانيّة، وشرعوا «3» له دين النصرانية «4» .
فاحبّه، ودخل فيه «5» ، وجمع عظماء قومهم. فدعا هم الى ذلك، فلم يجيبوه وهمّوا بخلعه، فكتم ذلك الدين في نفسه، وبقي عليه، حتّى توفّي. وكان ملكه ثلاثين سنة.
قال ابن المقفع: وكان موته بفارس بمدينة سابور، فوقع اهلها على دفينته. وذلك انّهم
(1) . تاريخ: فصفق
(2) . الصحيح: الى
(3) . يبدو الصحيح: وشرحوا
(4) . تاريخ: مريم ع وفسروا له دين النصرانية وشرعوا له الدين النصرانية
(5) . تاريخ: في قبله