فحجمه، وصيردمه في بستوق، وختم عليه وعلى الحقّ الذى فيه ناصيته بالمسك. وبعث بذلك الى النجاشى. وكتب اليه كتابا يقول فيه: ايها الملك، والمسيح، ما خفرت ذمتّك، ولا خلعت طاعتك. وانّى واهل ارضى لسامعون لك، مطيعون لامرك وانما قتلت ارياط لا يثاره الاقوياء على الضعفاء من جنودك، ولم يكن ذلك من سيرتك ولا رأيك. وبلغنى انّك حلفت ان تطأ ارضى سهلها وجبلها وبرّها وبحرها برجلك، وتجرّ ناصيتى بيدك، وتهريق دمى بكفك. وقد بعثت اليك بجرابين: احدهما من تراب السهل، والأخر من تراب الجبل، لتطأهما برجلك. وبعثت اليك بناصيتى في حق فجزّها بيدك هناك، وارسلت اليك بدمى في بستوقة فأهرقه بكفك، وبرّيمينك، وأطفئ عنّى غضبك. فانّما انا عبدك واطوع من خاتمك بيدك، وانا عبد من عبيدك وعامل من عمّالك والسلام.
فلما وصل ذلك الكتاب الى النجاشى؛ عجب من قول ابرهة، ومكانه. ورضى عنه.
فاقام ملكا عليها، ووجّه عمّاله الى مدنها ومحاليفها، ولم يزل بها، الى زمان كسرى انوشيروان وسنأتى بتمام قصة الحبشة ومسيرهم بالفيل لهدم الكعبة الى انقضاء ملكهم وانصرام اثرهم وبوارهم على التمام. والله اعلم.
ملك فيروز «1» بن يزدجرد بن بهرام جور
قال عبد الله بن المقفع: ولما فيروز بن يزدجرد، قام في العجم خطيبا؛ فقال: لا رأى لكذوب، ولا عقل لذى عجب، ولا حياء لذى منّ، ولا مودّة لذى تلوّن. ايّها الناس انّ الله يديل للعاقل، وربما املى للمسى ء، ثم يصرف عنه املاءه، ويكله الى نفسه، وانّ اخانا هرمز ظلمنا حقنّا، وهمّ بقتلنا. فأراحنا اللّه «2» منه، وكفانا شرّه. فعليكم بلزوم طاعتنا، والانقياد لامرنا، لتنشرح لكم قلوبنا، وتخلص رأفتنا وعطفنا. ولا قوّة الّا بالله. وانّ الناس قحطوا في ملكه قحطا شديدا، وانقطعت الامطار سبع سنين متوالية، فغارت المياه، وانقطعت الانهار والقنى والعيون، وقحلت «3» الاشجار، وذهبت الزروع، ويبست الآجام، وتماوتت الطير والوحش، وهلكت الانعام والدواب فلم تقدر لجوعها وهزالها على الحمولة. وقلّ ماء دجلة والفرات، وعمّ مملكته المجاعة والجهد. فكتب الى اقطار ارضه وآفاق بلاده، يعلمهم ان لا خراج عليهم ولا جزيّة ولا سخرة ولا نايبة، ويأمرهم بالسعى
(1) . ينظر: الطبرى ص 874، 877، 880 حول سواخرا بن ويسابور بن زهاوقارن، ومجمل التواريخ والقصص ص 71 حول «رام پيروز» و «روش فيروز» ، وكذلك الثعالبى ص 578 حول «روشن فيروز» و «رام فيروز» .
(2) . ص: فادال اللّه، تاريخ: فازال الله ملكه.
(3) . تاريخ: أقحلت، النهاية: قلحت.