فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 486

فأغارت العرب عليهم من كل ناحية، يقتلون من قدروا عليه. وأقبلت طائفة منهم، فأغاروا على ايرانشهر، وسواحل اردشير خره، واستاقوا الابل والاغنام، والاغاروا على الدهاقين. وسار ملك من ملوك غسان كان على الجزيرة مما يلي شاطى ء الفرات يقال له ضيزن، وكان في طاعة قيصر ملك الروم، حتى وغل في أرض العراق، ودنا من المدائن. فوقعت في يده دختنوش بنت نرسى الملك اخت هرمز، فسراها «1» ، وشن الغارة في ارض العراق، وتحصّن الدهاقين منه بالقصور، حتّى ملأيده من الغنائم، وانصرف. ثمّ ان دختنوش بنت نرسى وقعت من الضيزن موقع محبة «2» ، فاختصّها من بين نسائه، فولدت له منها بنت سماها مليكة. فكانت من اكرم الناس على ابيها. فلما ترعرع سابور بن هرمز؛ سمي شاه جهان، اى ملك الدنيا. وهو سابور ذي الاكتاف. واهل مملكة العجم لا يقدرون على دفع الظلم عن انفسهم من اعدائهم لقلة هيبة الناس من الملك، اذ كان طفلا وقلة هيبته عند الناس. فبينا سابور ذات ليلة نائم اذ سمع ضوضاء الناس لازحادمهم على جسر المدائن مقبلين ومدبرين. فقال: ما هذه الضوضاء؟! فأخبره بازدحام الناس على الجسر الواحد.

فقال لظيرته: قولى للقهرمان ان ينصب جسرا آخر، يكون واحد لصادر والاخر للوارد، فيتسع للناس «3» ، ولا يزدحمون على جسر واحد. فلما بلغ اهل المملكة كلامه، تباشروا لذلك وسروا لفطنته مع صغر سنه. فلم يمس الناس في ذلك اليوم حتى نصب لهم جسرا آخر. فاستراحوا من المخاطرة بأنفسهم بمجازهم على جسر واحد. فلما رأت ظيرته ذلك، قالت له: يا سيدى لو برزت للناس وخطبتهم، وهو ابن خمس سنين. فوضعت له النمارق، فأشرف عليها، وخطب.

فلما اشرف على النمارق قال: بالفارسية كلاما يشبه هذا:

الحمد للّه اهل الحمد ووليه، واوّل الحمد وآخره، ذي المّن والاحسان والطول والامتنان، الذى خلق بقدرته، ورزقهم بامتنانه. ايها الناس نحن الملوك وابناء الملوك، واسمى شاه جهان، فلا تايسوا «4» من بلوغنا وضبطنا ملكنا، ورأفتنا بكم، والاحسان الى كافتّكم والتسوية منكم بين القوّي والضعيف، واقماع العدّو عنكم، ان شاء الله. ثم نزل، ودخل منزله. فتباشر الناس بذلك. فمكثت مملكة العجم خمس عشرة سنة واهيه، وسلطانهم ضعيف، يغار عليهم من كل ناحية، ويستباحون، وتساق مواشهيم. فلما أتى لسابور خمس عشرة سنة، واشتدت اعضاؤه، واطاق ركوب الخيل وحمل السلاح والكراع، وسار بهم

(1) . تاريخ: واسرها

(2) . تاريخ: المحبة

(3) . ص والنهاية، الناس

(4) . تاريخ: تيأسوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت