قد كاد ولما وليتنى به. فقلت لبعض من كان الى جانبه: من هذا؟ فقال: هذا ابو فضلة هاشم بن عبد مناف. قلت: هذا والله السناء والفخر، لافخر آل جفنة. وانّ هاشما رأى في منامه كأن شجرة خضرة خرجت من ظهره، حتى بلغت رأسها واغصانها عنان السماء، وقد تعلّق بغصونها من الناس مالا يحصيهم الا الله. فنظر الى المتعلقين بها، يرتقون الى السماء.
فحدث بذلك قومه؛ فقالوا انّا لنرجو ان يولد من عقبك رجل يبلغ ذكره مشارق الارض ومغاربها. فمن تعلّق به من الناس، نجا. فكان ذلك رسول الله. وان هاشما سار الى الملوك، فأخذ منهم العهود والعقود، لا يمنع قومه من التجارات في بلدانهم وارضهم. فكان اول من اخذ منه العهد في ذلك النجاشى ملك الحبشة؛ وكانت ارض الحبشة من افضل الاماكن التى تتّجر فيها قريش. ثم انصرف من عند النجاشى، فأتى ارض اليمن، وقد غلبت عليها الحبشة، وكان ملكهم يومئذ ابرهة ابن الا شرم الذى اراد هدم البيت الحرام بالفيل. وكان يكنّى ابا يكسوم. فسأله هاشم العهد والعقد في المتجر بأرض اليمن. فأعطاه ابرهة ذلك. ثم سار حتّى دخل الشام وملكها يومئذ جبلة بن الايهم الغسانىّ من آل جفنة ملوك الشام. وكان في طاعة قيصر. فأخذ منه مثل ذلك. ثم سار من الشام حتى ورد ارض العراق على قباد، فأخذ منه مثل ذلك. فاتّجرت قريش في هذه الاماكن كلّها، فربحوا وتكسبوا اموالا، وأثروا وكثرت اموالهم، وعظمت تجاراتهم. فسادوا العرب والعجم بكثرة الاموال والسخاء والفضل. وكانوا ذوى احلام وعقول وبهاء وسخاء وفضل ووقار ونبل، فهم صفوة الله من عباده، وخيرته من جميع خلقه، وافضل بريّته. ثم توفّى هاشم، وقام بسؤدده وفضله عبد المطلب بن هاشم. وكان في زمان كسرى بن قباد، وهو الذّى يسمّى انوشيروان. وكان اسم عبد المطلب شيبة الحمد لسخائه وجوده، وحمد الناس له، وثنائهم عليه. وكان له جمال وبهاء وعقل وحجاء وفضل وسخاء وكرم وعلم.
قالوا: ولما استدف ارض اليمن لابرهة، واستقام له امرها، وجلبت عليه الاموال، حتى كثرت عنده، وكان يوجّه الى النجاشى ملك الحبشة من تلك الاموال حتى كثرت عنده في كل عام صدرا، ويطرفه من الهدايا بما كان منه بأرض اليمن مثل الجزع والشفوف «1» اليمانية والورس ونحو ذلك وكان النجاشى يعجب بما يأتيه من تلك الهدايا والاموال، ويحمد ابرهة على ذلك. وان ابرهة لما دنا وقت الحج؛ نظر الى اهل اليمن يتجهزّون
(1) . نهاية: صنوف، تاريخ: والفصوص