بهود النبيّ. قال: فاين قبلتك؟ فأوما نحو القبلة. قال: فما طعامك؟ قال: ثمر الشجر. قال:
فاين مأواك؟ قال: من وراء الوادي. فنظر ابراهيم الى ذلك الوادي، فاذا هو لا يرام ولا يخاص. «1» فقال له: فكيف تعبره وهو لا يخاض؟ قال: امشى على الماء. قال له ابراهيم:
مرّبنا نحو مأواك لا نظر اليه. فقاما جميعا كل واحد منهما قد اخذ بيد الآخر، حتّى انتهيا الى الوادي. فمشيا جميعا على الماء حتى جازاه، كل واحد منهما متعجّب من الآخر. فاقبل به الى الغار الذى كان يسكنه، فقال: هذا مأواي. قال له ابراهيم: فمذ كم انت فيه؟ قال منذ سبعمائة عام. فقال له ابراهيم: طوبى لك ايها العابد؟
قال الرجل: طوبى لمن نجّاه الله من النار وزفيرها وشهيقها وأغلالها. ولي دعوة محجوبة منذ عشرين عاما. قال ابراهيم: لا تأس على حبس دعوتك. فاّنّ الله تبارك وتعالى اذا احبّ عبدا لم يعّجل في اجابة دعوتة حبّاله منه، واراد ان يديم الدعا، ليثيبه ثواب الابرار. واذا أبغض عبدا، عجّل اجابة دعائه ليملي له ولا ييأس ويقنط من رحمته.
فما دعوتك المحجوبة؟ قال الرجل: مرّ بهذا «2» الوادي منذ عشرين حولا غلام شاب اصبح الناس وجها واعلاهم نورا وانظفهم ثوبا، وانّي لارى فيك مشابها «3» منه وهو يرعى بقرا كانّها دهنت بالدهن. فقلت له: من انت يا فتى؟ قال: انا اسحاق ابراهيم خليل الله. فقلت:
اللهم ان كان لك في الآدميين خليل فأرنيه. فهذه دعوتي المحجوبة. قال أنا ابراهيم خليل الله. فلما سمع الرجل ذلك دنا من ابراهيم، فعانقه. فكان ذلك اول معانقة عانق رجل اخاه. ثم سلّم عليه ابراهيم ومضى. قال الشعبى: وهذا دليل على انه كان في عاد اناس اتقياء عبّاد. قال: وكان.
قال دغفل الشيبانى: حدثنا ابن الكيس النّمرى عن البشير بن الحيازم الحميرى انّه وجد في كتب الملوك التى توارثوها غابر عن سالف وآخر عن اول، قال: لمّا مضى من مهلك عاد بالريح العقيم خمسمائة عام، وذلك في عصر آزر ابن تارخ بن ناحور بن اسرع بن ارغوا بن فالغ بن غابر، «4» كثرث ثمود في بلادهم التى تعرف بالحجر، فعصوا واستكبروا وعتوا عتوّا شديدا، وعبدوا الاصنام من دون ربهم. قال الله، عز وجل، في كتابه المنزل على
(1) . النهاية: يحاط
(2) . تاريخ: ان لى
(3) . النهاية: شبها، تاريخ: لا راه فيك مشابها
(4) . الصحيح: عابر، كامرّ سابقا