فهرس الكتاب

الصفحة 439 من 486

ثم ان كسرى ندب من ابطال جنوده، واشدّ اساورته ستة وثلاثين الف فارس، فقوّاهم بالاموال والسلاح، وعقد لهم مع ثلاثة قوّاد، كل قائد منهم في اثنى عشر الف فارس وامرهم بالسير الى الروم. فتوجه احد القوّاد يسمى شهرانزاد، والثانى شهربنداد، والثالث شاهين، يؤمهم حتى وغل في بلاد الشام، وكانت إذ ذاك في ايدى الروم. فشّن الغارة وعثا فسادا، الى ان انتهى الى بيت المقدس، فأخذوا القسيسين والرهبان بخشبة الصليب العظمى التى تزعم النصارى ان عيسى بن مريم صلب عليها. وقد كانت وضعت في تابوت ذهب في بستان وزرع فوقها رياحين. فقتلوا من الرهبان رجلا، فلما رأوا قتلهم ايّاه، دلّوه على الخشبة، فاستخرجها، ووجه بها الى كسرى. وسار القائد الآخر وهو شاهين، حتّى وغل في بلاد الروم، وانتهى الى الخليج الذى بالقرب من مدينة القسطنطنيه، ووجّه سراياه في جميع تلك البلدان، فشنّوا فيها الغارة، واستاقوا الاموال والمواشى. فلمّا رأى بطارقة الروم ذلك؛ اجتمعوا الى فوقا ملكهم الذى ملكوه عليهم فقتلوه، وقالوا: ان مثل هذا لا يصلح للملك. وملكوا عليهم ابن اخى قوسط صاحب كسرى وصهره. وكان اسم الذى ملكوه هرقل، وهو الذى بنى مدينة هرقله، فاشتق لها اسما من اسمه. ثم انّ هرقل وجّه رسله في جميع الآفاق من بلاد الروم «1» ، فاجتمع اليه من الناس ما لا يحصيهم الا الله تعالى.

واستخلف بقسطنطنية اخاه. وسار في جنوده الى شاهين قائد كسرى، وكان عسكره بالخليج. فحاربه بجدّ واجتهاد، حتى نفاه عن الخليج، وهزمه. ثم قصد نحو شهريار «2» ، وقد كان جاز ارض مصر، ووغل في بلاد الروم من ناحية ملطية وعين زربه، فواقعه حتى هزمه،. واخرجه عن بلاده وطرده. فاجتمع القواد الثلاثة شاهين وشهر بنداد وشهريار في مكان واحد، واستعدّوا لمعاودة الحرب. فالتقوا بنصيبين. وقد كان وافاهم هر قل في جنوده، فاقتتلوا قتالا شديدا، لهم يسمع السامعون بمثله. فكان الظفر ايضالهرقل، وانهزم اهل فارس نحو المدائن، والروم في آثارهم «3» يقتلونهم، حتى توسّطوا ارض جرخى «4» ، فشنوا فيها الغارة، وعثوا فسادا. فعجز كسرى وجنوده عن محاربة القوم وتحصن بالمدائن.

وسار هرقل حتى ضرب ابواب المدائن، فحاصر كسرى وجنوده، وقاتلوهم من فوق السور. فمكث هر قل كذلك ايّاما كثيرة، حتى اذا امتلأت ايديهم من الغنائم. ثم انصرف

(1) . ص: جميع ارض الروم

(2) . النهاية: شهربراز

(3) . النهاية: اثر هم

(4) . النهاية: جوخى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت