فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 486

فلما فرغتا من غنائهما؛ تبسم، وقال: هكذا يا تميم كنّا في طول دهرنا، ثم انحدر الطيران عن رأس الجاريتين أحدهما الى الجام الذى فيه المسك، وجعل ينثر في وجه خالد، ودخل الاخر الجام الذى فيه ماء الورد، فرشه في وجهه. وكانا ادّبا على ذلك. ثم قال: ما فعل حسان بن ثابت؟ قلت: كفّ بصره. فشق ذلك عليه. فأمر خادما كان على رأسه، فأتاه بأربعمائه دينار، فناولنيها، وقال: إذا أتيت المدينة، فأوصلها الى حسان. قال:

ثم ودّعته، وخرجت حتّى اتيت معاوية، فأبلغته رسالة قيصر. وخرجت من الشام، حتّى دخلت المدينة، فلقيت حسان، فسلمّت عليه. فقال: من انت؟ فقلت: تميم بن بشر. فقال:

كيف انت يا بن اخى، اين كنت؟ قلت: بأرض الروم برسالة أرسلنى بها معاوية الى قيصر ملك الروم. قال: هات ما بعث به إليّ على يديك! قلت: وما يدريك انّه بعث اليك على يدّي شيئا؟ قال لانّي كنت آتيه في ملكه، فيصلنى بالكثير، ثم عاهدني ان لا يلقى أحدا يعرفني، الا وجّه اليّ على يده شيئا. فدفعت اليه الدنانير، وانشأ يقول:

لم ينسنى بالشام إذا هوربّها ... يوما «1» ولا منتصرا بالروم

يعطى الجزيل فما يراه عندنا ... الا كبعض عطية المذموم

قال الشعبى: أخبرنى عبد الله بن سلام، قال: كان في آل جفنة ملك من آل جفنة ترك «2» دين آبائه الذى كانوا عليه من دين النصرانيّة، ورجع الى دين العرب وعبادة الاصنام، فتجبّر وعتا عتوّا شديدا، وحمل قومه من غسان وسائر عرب الشام على عبادة الاصنام، وقال لهم: انّ هذا دين آبائكم الّذى لم يزالوا عليه، والدين الذى عليه العرب الى اليوم.

فكان بالشام في ذلك الزمان رجل صالح يقال له جرجيس على دين عيسى بن مريم، عليه السلام. وكان عابدا مجتهدا. بلغه ترك الملك دين النصرانية ودخوله في دين العرب وعبادة الاصنام؛ راى أن يأتيه فيدعوه الى خلع الاصنام والرجوع الى دين عيسى بن مريم.

فأقبل حتى دخل عليه، فقال له: ايها الملك الجبّار العاتي، ما حملك على ترك دين آبائك من ملوك الشام وما كانوا عليه من دين عيسى بن مريم روح الله وكلمته، وعبادتك

(1) . في الاغانى: 15/ 163: «كلّا» ؛ وفى العقد الفريد: 2/ 62: «ملكا»

(2) . تاريخ: نزول عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت