فهرس الكتاب

الصفحة 460 من 486

ثم ان عمر بن خطاب نادى في الناس بالنفير الى العراق، فتخفّف الناس للخروج. وارسل رسله الى قبائل العرب يستنفرهم. فقدم عليهم مخنف بن سليم في سبعائة رجل من الازد، وقدم عليه الحصين بن معبد بن زرارة في جمع عظيم من تميم في زهاء الف رجل، وقدم عليه عدى بن حاتم طى في جمع من بنى ضبّة، وقدم عليه انس بن ملك بألف من النمر بن قاسط. فلما اجتمعوا عنده بالمدينة؛ دعا جرير بن عبد الله العجلى «1» ، فولّاه امرهم، وخرج معه جمع عظيم من بجيلة فسار بهم حتى وافى الثعلبية وأفضى اليه من كان هناك من المقيمين بها. ثم سار من هناك حتى نزل ديرا، ووجه سراياه للغارة بارض السواد ممايلى الفرات، وتحصن منه الدّهاقين في الحصون، ثم بعثوا رسلهم الى المدائن. فاجتمع عظماء المرازبة ودخلوا على الملكة آذرمى دخت، ثم كلّموها من وراء الحجاب، واعلموها ما اقبل اليهم من جموع العرب. فأمرت ان يندب من مقاتلتهم اثنا عشر الف فارس من ابطالهم وفرسانهم المذكورين. وكتبوا أسماءهم، فولّت عليهم عظيما من عظمائهم يسمى مهران بن مهرويه الهمدانى فسار بالجيش حتّى وافى الحيرة، وتلاحقت سرايا العرب، وتهيّأ الفريقان للحرب. فزحف بعضهم الى بعض. وصارت العجم ثلاثة صفوف في كل صف فيل، وعبأوا كل فارس رجلا، ومع كل رامح ناشبا. فجاؤوا ولهم زجل كزجل النحل. فقال المثنى بن حارثة: يا معشر العرب، لا يهولنّكم هذه الاصوات، فان ذلك منهم فشل ورعب. الزموا الصمت! وعبّأ جرير بن عبد الله أصحابه والثمنى أصحابه أيضًا ثلاثة صفوف ميمنة وميسرة وقلبا. فجعل المثنى يدور على القبائل واصحاب الرايات، ويقول: يا معشر العرب حاموا عن دينكم، وامنعوا الاسلام، فانكم اليوم نظامه، ولا تنكلوا ولا تجبنوا. ثم رفع يديه الى السماء فدعا، وقال: اللهم ثبتّ اقدامهم وانصرهم على عدوّهم. ثم انتضى سيفه، وحمل في اوّل الناس، وحملت معه بكر بن وائل، وزحف معهم جميع الناس. وحملت عليهم العجم، فتطاعنوا بالرماح، وتضاربوا يالسيوف مليّا من النهار بقتال لم يسمع السامعون بمثله. وتوسّطهم المثنى بن حارثة يجالدهم بسيفه، حتى غاب عن أعين اصحابه، فظنوا انّه قد قتل، وارتفعت بينهم العجاج ساعة. ثم انجلت، فانصرف، وهو يجالدهم في نفر من بكر بن وائل، وقد خضبت ثيابه بالدماء، ويقول: اللّهم عليك تمام النصر، اللّهم بحولك وقوّتك. ثم خرج منصرفا

(1) . هو جرير بن عبد اللّه الجلى وليس العجلى؛ ينظر: تهذيب الكمال: 4/ 533

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت