فاعبروه منصرفين قبل ان يحال بينكم وبينه، فتقتلوا عن آخركم فمرّ المسلمون نحو الجسر، والمثنى على حاميتهم. وحملت العجم على رجالة المسلمين فاقتطعوهم، وحالوا بينهم وبين الجسر. وحمل المثنى في قومه على العجم حملة صادقة، فانكشفوا.
فتخلّص رجالة المسلمين من بينهم. ثم قال المثنى لعروة بن زيد الخيل الطائى: انطلق في عصابة من اصحابك، فقف على الجسر، وحل بين العجم وبينه، حتى يعبر المسلمون.
ففعل عروة ذلك والمثنى في بنى بكر، يقاتل من وراء المسلمين، ويحميهم حتّى عبروا جميعا. ثم عبر المثنى في اصحابه آخرهم، وقطعوا الجسر، وسار المثنّى بهم حتى نزل الثعلبية، وكتب الى عمر بن خطاب بمقتل ابى عبيد بن مسعود وسليط بن قيس وتسمية من قتل من المسلمين. وما كان من امر الناس وانصرافهم الى الثعلبية ويسأله ان يوجّه اليه المدد. ووجّه الكتاب مع عروة بن زيد الخيل، وسار بالسير الخفيف حتّى وافى المدينة، فاوصل الكتاب، واخبره بقيام المثنّى بن حارثة وحمايته للمسلمين، حتى تخلصوا. فبكى عمر بكاء شديدا وترحمّ على من قتل من المسلمين. ثم قال لعروة وانصرف الى اصحابك، فمرهم فليقيموا بمكانهم، فان المداد وارد عليهم وشيكا، ان شاء الله. وكتب معه الى المثنى بن حارثة ومن معه من المسلمين سلام عليكم، اما بعد فقد أتانى رسولكم بكتابكم بما اصيب من المسلمين، فلا يحزنكم ذلك، فان اللّه، تبارك وتعالى، كتب القتل على قوم، والموت على آخرين، وطوبى لمن قتل في سبيل الله صابرا محتسبا. وقد اخبرنى عروة عنك يا اخا بنى شيبان بما سرّنى من قيامك ونصيحتك وما خلص اللّه بك، فجزيت خير الجزاء. الزموا مكانكم، ولا تعجلوا على القتال الى ان تروا فرصة حتى يأتيكم المدد وكأنكم بهم، وقد اتوكم على الصعب والدلوك، ان شاء الله. والسلام. وكانت هذه الوقعة في شهر رمضان يوم السبت سنة ثلاث عشرة من التاريخ. قال ابو محجن في ذلك:
تطاول ليلي واعترتني بلابل ... فدمع مسح مسبل الودق هاطل
على فتية بالطفّ نيل سراتهم ... وغودر أفراس لهم ورواحل
فما رحت حتّى كنت آخر رائح ... وصرّع حولى الصالحون الاماثل
وقمت على الجسر الذى كان رحمة ... وساهدنى القمقام والحى وائل
فمارمت حتى خرقوا برماحهم ... اهابى وجادت بالدماء الاباجل
وقد تركونى في مكرّ جيادهم ... كنشوان عاد مزاج شامل
مررت على الانصار والقوم جثّم ... فقلت لهم هل فيكم اليوم قائل