سوخرا لكثرة من كان معه من الناس، وارسل اليه يسأله الصلح على ان يرد عليه جميع ما غنم من اموال فيروز، وجميع من كان معه من نساء فيروز وخزائنه ودواوينه «1» ويسلم اليه دخت ابنة فيروز وحرمه، ويرد عليه قاضى القضاة ومن اسر معه من جنود فيروز. فأجابه سوخرا الى ذلك كراهية للبغي. فسلّم اليه اخشوان ذلك اليه، فانصرف سوخرا نحو العراق فلما وفى المدائن ملّك بلاش بن فيروز مكان ابيه، وأجلسه على سرير الملك، ووضع على رأسه التاج.
قصة ملك بلاش «2» بن فيروز وحديثه مع ابنة ملك الهند
ثم ملك بلاش بن فيروز، وهو بن عشرين سنة. وقال يوم ملك: شعار الملك الحلم والرفق، واصل الحلم العفو، وافضل الامور مغّبة الصبر، وازين الدين الوفاء بالعهد. ثم قام في العجم خطيبا؛ وقال: ايّها الناس تساعدوا على الخير، وتعاونوا على البرّ، واحفظوا الجار، واوفوا بالعهد، تنالوا بذلك السعادة والفوز. فلما استتبّ له الملك «3» آثر اللهو على ما سواه، وفرّغ نفسه للتلذّذ، فاستهتر بالنساء. فكان لا يبلغه عن امرأة جمال، الّا بعث اليها، فتزوّج بها، حتّى جمع منهّن عددا كثيرا. ثم ذكر له ذات يوم عن ابنة ملك الهند، وكانت تسمّى هروله، وكانت مشهورة ببارع الجمال وشطاط الجسم وحداثة المولد وفائق الحسن «4» ومذكورة بفضل الرأى في نظرها، وحسن الرويّة في عقلها، والمشورة على ابيها فيما يشكل عليه من اموره ويعيا فيه فكره من وجوه تدبير ملكه. فكتب الى ابيها يخطبها اليه على ان يحكمها في جميع ما تحت يده من مملكته. فاقرأها ابوها كتابه، وزيّن لها أمره، ورغبّها فيه. فقالت: يا أبت، قد فهمت ما ذكرت من امر هذا الملك الفارسى من فضله وجماله وكماله وحسن مخالفته. فصف لى غريزته المجبول عليها في امر النساء، هل يقنع منهن بالتّى ليس فوقها جمال ولا يرى لها شبيه، ولا يطلع نفسه الى غيرها، اذا كانت قدرته عليها حدّ غايته؛ ام مثله فيهن مثل صاحب الجوهر؟ قال ابوها: وكيف كان ذلك المثل؟ قالت انّ ملكا اصاب في بعض مسيره جوهر فائقا، وفيه حجر لا يعدله جميعا. فأفسد جميع جوهره لضم ذلك الحجر اليه، فكان لا يعدله في نظام الا افسده
(1) . تاريخ: دوابه
(2) . في مروج الذهب: 1/ 298: ثم ملك بلاس بن فيروز الملك؛ وكان ملكه اربع سنين
(3) . النهاية: اشتدت شوكته واستقام له الملك، تاريخ: اشتدله الملك.
(4) . تاريخ: حدثات المولد وقيافه الحسن