فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 486

الخلق، فدفنته مخافة ان ينالك عار ذلك. فصدقها آزر، وصوّب رأيها فيما فعلت. وكانت تدخل الى ابراهيم احيانا، فتجده يرضع ابهاميه «1» ، ويصلح شأنه. فكان اليوم عنده كالشهر في سرعة ادراكه ونباتة. فلم يزل في ذلك القيطون، حتّى اتت عليه ثلاث سنين. ثم اخرجته امه ليلا الى صحن الدار فنظر الى السماء والى فسحته بخلاف ما كان فيه من الضيق والظلمة. فألهمه الله، عزّ وجلّ، وعلم ان له خالقا. وكان من امر نظره الى السماء والكواكب والشمس والقمر ما انزل اللّه، تبارك وتعالى، في كتابه على لسان نبيّه محمد (ص) . فلما بلغ من العمر سنتين، عرف ربّه ذا الجلال والاكرام. وتّبرأ من دين قومه.

فاقبلت به امّه حتّى أدخلته على ابيه، وقالت: هذا ابنك، كتمت امره مخافة من ان يقتله الملك، كما قتل الولدان. فقال لها: انك قد خنت الملك فيما كان منه من تفضيله ايّانا واكرامه لنا. ثم انّ الله، عزّ وجلّ، القى في قلب ابيه من الشّفقة على ابراهيم ما ضاقت به الارض ولم يتهنأ بالعيش، مخافة ان يبلغ الملك خبره، فيقتله حتّى كان من كسره الاصنام ما اخبر الله، عزّ وجلّ، في كتابه. فبلغ نمرودا أمره. فقال لآزر: كتمتنى أمر هذا الغلام مع تفضيلي ايّاك، واكرامي لك، وكنت من اوثق الناس عندى. فقال آزر:

ايّها الملك، اني رأيتك قد روات «2» في قتل الولدان من اهل بيتك منذ عدة احوال «3» .

فرأيت ان اكتم امر هذا الغلام حتّى يستبين لى قصتّه. فان كان الذى يحذره الملك، اسلمته اليه ليقتله، ويرفع القتل عن ولدان اهل بيته.

وقد علمت الان في كسره الاصنام انّه عدوّك الذى تتقّيه، فشانك به. فامر الملك بحفيرة، فبنيت اربعين ذراعا في مثل ذلك وامر بالحطب ينقل اليه، حتّى امتلأت ثم اضرمت بالّنار وصيّر ابراهيم في منجنيق، فحمل وقذف به فيها. فمكث ثلاثة ايام ثم امر الملك بمنارة تبنى له، ليشرف على الحفيرة. فبني له صرح، فأشرف عليه، فرأى ابراهيم في روضة وسط النار الى جانبه شابّ جميل. فكاد يمشى الى نمرود. فلما رأى نمرود قال:

يا ابراهيم قم فاخرج الّى «4» . فقام ابراهيم يمشي حتى خرج من الحفيرة، واقبل الى نمرود.

ففزع نمرود من ذلك، ورعب رعبا شديدا، وقال لا ابراهيم: اقم في منزلك آمنا، فانّي غير مؤذيك ولا معترض لك بعد الذى رأيت من قدرك عند الهك الذى تعبده في صرف حرّ النار عنك. واقام ابراهيم بعد ذلك ما شاء الله ان يقيم آمنا، حتّى ادرك. وآمنت به سارة، وكانت من اهل بيت، اجمل اهل زمانها جمالا واكملها كمالا. فامر اللّه، عزّ وجلّ

(1) . تاريخ: احد ابهامى رجليه

(2) . النهاية: رادث

(3) . النهاية: اعوام

(4) . يبدو الصحيح: اليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت