غانم بن علوان، وكان غانم ملكا على ولد يافث؛ ليستنصربه، وليبعث معه جيشا يقوى به على ضبط ملكه وسلطانه. فقد كانت بابل دعامة من كان معه من جبابرته. فاغتنم ولد ارفخشد بخروج الضحاك من ارضهم، فارسلوا الى نمرود بن كنعان، وهو بدنباوند، فملكوه عليهم، ووضعوا على رأسه التاج. فأمر نمرود بقتل من كان بقي بارض بابل من جنود الضحاك. فقتل غلمتهم، واحتوى نمرود على قصر الضحّاك وخزائنه وامواله، واخذ امرأتين كانتا للضحاك، واستعبد جميع حرمه وخدمه. وبلغ ذلك الضحاك، وهو مقيم عند اخيه غانم بن علوان، في بلاد ولد يافث بن نوح؛ فاقبل منصرفا نحو مملكته، فوافى مدينة بابل، وقد ازال الله ملكه، واحتوى نمرود على قصره. فوجد نمرود بن كنعان جالسا على سريره، وامرأتاه عنده؛ فغشعي عليه من الغيره وشدة الحزن مما رأى، فقام اليه نمرود بعمود من حديد كان عنده، فضرب به هامته، حتى قتله. وانطلق به ميتا الى جبال دنباوند، فحفر له حفيرة هناك، وجعله فيها، وسدّ عليه الحفيرة. فشلوه هناك الى اليوم «1» .
قال: ثم ان نمرود بن كنعان لمّا قتل الضحّاك، تجبّر وعتا عتّوا شديدا، وطلب علم النجوم، فجمع اليه المنجمين من الآفاق، وفرّق فيهم الاموال، وامرهم بملازمته، والمقام بمدينة بابل. فكانوا يخبرونه بما يحدث ويكون من امره، فدخلوا عليه ذات يوم، وقالوا:
ايّها الملك انّا وجدنا كل مولود ذكر لاحد من اهل بيته «2» . وتمادى في ذلك، ولهج به، وعبد الاصنام من دون الله، عزّ وجلّ، ونسى احسان الله تبارك وتعالى اليه واياديه عنده، حين اعطاه الملك، وانقذه ممّا كان فيه من الخوف والطرد في البلاد من يدى الضحاك.
ثم اسند اعماله الى اربعة نفر من اهل بيته، فاستكفاهم امر مملكته. وكان آزر أبو ابراهيم احد الاربعة.
فمكث بذلك ما شاء الله، تعالى. ثم ان أمّ ابراهيم حملت بابراهيم، فلم يستبن عليها الحمل لحداثة سنّها. فلما قرب ولادتها، قالت لآزر: انّى قد اشفقت من حملى هذا، فاحبّ ان تنطلق الى الاصنام العظمى، فتشفع اليها لاسلم «3» من ولادتى. وأرادت بذلك ان تلد وآزر غائب عنها. فلما خرج عنها؛ اخذها الطلق، فدخلت قيطونا، فوضعت ابراهيم «4» ، ولم يعلم بذلك احد من اهل بيتها، فتشهر له ولادتها، فتركته في ذلك القيطون. وانصرف اليها آزر، فقال: ما كان حالك في حملك، قالت: انّى وضعت صبيا كانت به عاهة غير مستوى
(1) . النهاية: الى يومنا هذا
(2) . في هذه الجملة اضطراب وخلل
(3) . تاريخ: لاسلم لها
(4) . النهاية: فولدت ابراهيم