الرجوع الى بوران بنت كسرى. فملكوها عليهم. فقامت بالملك وأحسنت السّيرة، ورفعت عن الناس ثلث خراجهم، ثم كتبت كتابا «1» ، وامرت ان يقرأ على من ببابها، وكانت نسخة الكتاب: بسم الله ولى الرحمة من بوران دخت الملكة الى من ببابها من الاشراف والمرازبة والاساورة، اما بعد فانّا قد اصبحنا حاملين لهذا الملك الذى اكرمنا اللّه به، وسياستكم التى افادنا القيام بها على نهضه وثقله، لما استحفظنا من ذلك، واسترعانا منه.
وقد كان اسلافى الماضون اقوى على ما حملوا، فعفوا واصلحوا وعدلوا، حتّى مضوا محمودين. وقد رجوت ان اقفو آثارهم في حسن المعدلة، ونسلك السنة القاصدة التى استنّوها عليكم. فليفرخ روعكم، ولتبسط آمالكم، فعليكم بالسمع والطاعة. فانا لا نصلح الا بصلاحكم، ولا تصلحوا الا برأفتنا ورحمة الله. ثّم ان هذا الملك المتّسق في آبائنا الماضين وهن وضعف عند مقتل كسرى والدنا، فوهنت اركانه، وانحلّت عراه، واضمحل بهاؤه. فارتقوا ما انفتق من ذلك بحسن طاعتكم. وابنوا ما تهدم بتشييده بمناصحتكم. ولتجتمع كلمتكم في محض نصيحتنا ومودّتنا، فان الكلمة اذا اجتمعت كان اجتماعها قوام الدين واركان الملك وعدة السلطان. وانا اسأل اللّه ان يصرف نياتكم الى اطاعة لنا والنصح لسلطاننا، ولن تشمل هذه الامة الّا بالأمن والعافية. وقد رأيت ان اسقط عنكم جميع ما بقى عليكم من خراج السنين السوالف، ونصف خراج هذا العام المستقبل، وان ازيد في عطاياكم ومراتبكم، وان ابثّ الصدقات في فقرائكم. فاحمدوا لله على ما وفقّنا من ذلك، وثابروا على طاعتنا، ومناصحتنا التى فيها الفتكم وثبات سلطانكم. وانا اسأل الله توفيقكم وارشادكم. والسلام. فملكت سنة وشهرا، ثم مرضت مرضتها التى ماتت فيها. فأسندت ملك ها الى اختها آذرميدخت، ووهن ملك العجم وضعفت اركانه. وبلغ ذلك بكر بن وائل، وكانوا بناحية السميمين والدمات والواردات «2» وبطن الجريد، وهذه الارضون اقرب الى العجم من ارض العرب. فاجترأت بكر بن وايل العجم وزادتهم وقعة ذى قار جرأة عليهم. فخرج رجلان «3» من بكر بن وايل: يسمى احدهما المثنى بن حارثة الشيبانى، والاخر سويد بن قطبة العجلى. فجمع كلّ واحد منها جمعا عظيما من قومه، ثم اقبلا نحو العجم، فجعلا يغيرانه بناحية العراقين. فكان المثنى يغير من ناحية الحيرة، وسويد بن قطبة يغير من ناحية الابلّة، فيسوقان السوائق الكثيرة.
فاذا طلبا امعنا في البّر والبوادى، فلا يتبعها احد. وكان ذلك في ابتداء خلافة ابى بكر
(1) . الطبرى: 1064 والثعالبى: 7335، والعربى: 2: 261 كلها تتطرق الى ذلك
(2) . الطبرى: 1: 1892
(3) . دينورى 116، ص: رجل