ففزعت منه، وزاد رغبتى رعبي، وكاد أن يخلط على عقلى حين لم ار فيها آدميا، فخفت ان اضلّ في تلك الشوارع والسكك، ولا اهتدي الرجوع الى الباب الذى دخلت منه.
فانصرفت راجعا ممتطيا لذلك «1» الشارع الذى اقبلت فيه لا ازايله. فلما دنوت من الباب، رجعت الىّ نفسى، فرمت قلع شى ء «2» من ذلك الدرّ والياقوت والجوهر المركبّ في تلك الحيطان وتلك الابواب فلم يواتينى منها، لانها كانت محكمة الترتيب وثيقة الصنعة. فتنا ولت شيئا من تلك البنادق المبندقة «3» من المسك والزعفران.
ثم خرجت الى ناقتى، فركبتها، وقلت في نفسى: لا شى ء اجدى عليّ من مسيري الى معاوية بن ابى سفيان، فادلّه على هذه المدينة، فانه سيجعل الله لى منها اوفر الحظّ فتركت ما كنت فيه «4» من طلب ابلى، وسرت نحو الشام حتى وافيت دمشق، ودخلت على معاوية.
فقلت: يا امير المؤمنين قد اتيتك بما لم تره العيون، ولم يخطر على قلب بشر. قال: وما ذاك؟ قلت مدينة من ذهب وفضة ودر وياقوت وزبرجد ومرجان؛ وفسرت له القصة، ووصفت ما عاينت في تلك المدينة، واريته ذلك الياقوت وتلك البنادق التى حملتها معى. فنظر الى ذلك الياقوت، فاذا قد اصفرّ وتغير من طول الزمان، وشم البنادق، فلّم يجد لها رائحه فامر ببندقة منها فدقت، واذيب بالماء فسطع منها ريح المسك والزعفران.
ثم ارسل الى كعب الاحبار، وكان نازلا معه بدمشق. فقال له: هل بلغك ان في الارض مدينة من ذهب وفضة ودرّ وياقوت وزبرجد ومرجان؟
قال كعب: نعم، يا امير المؤمنين ارم ذات العماد الّتى ذكرها الله في محكم كتابه، على لسان نبيه محمد (ص) فقال عزّ ذكره: «إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ» .
قال معاوية: فهل اليها من سبيل؟
فقال كعب: واى سبيل الى مدينة محبوبة «5» عن الخلق، الّا عن رجل واحد من العرب، فانه سيدخلها رجل صفته كذا وكذا.
قال عبد الله: ثم وصف لى «6» صفتى، والتفت فنظر اليّ فقال هو ذا، وسيدخلها اوقد دخلها، فسله يخبرك. فعجب معاوية من علم كعب الاحبار قال كعب: والذى بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا، ما خلق الله، تبارك وتعالى، في الارض شيئا الا وقد فّسره لموسى
(1) . تاريخ الأصمعى: منتظما في تلك
(2) . تاريخ الأصمعى: ان اقلع شيئا، النهاية: الى قلع شئ
(3) . تاريخ الأصمعى: فاذا البندقة
(4) . الصحيح: فتركت ما كنت فيه
(5) . تاريخ الأصمعى: المدينة وهى مجوبة
(6) . هنا: وصفنى