قال: فلما انتهى شداد وجنوده وحشمه الى رأس مرحلة من تلك المدينة، جاء به ومن معه صيحة من السماء فماتوا اجمعين، ومات بتلك الصيحة جميع من كان بتلك المدينة من الفعلة والصنّاع والقهارمة وسائر من كان بها، وبقيت المدينة خالية لا انيس بها. وقد دخلها رجل من العرب يسمى عبد الله بن قلابه.
حديث عبد الله بن قلابة وذكر السبب في دخوله ارم ذات العماد
قال عبد الله بن قلابة: خرجت من مدينة عدن في طلب ابل لى ندّت، فوغلت في صحاريها، فبينا انا سائر على ناقتي، اذ رفعت لى مدينة «1» من بعيد فعمدتها، حتى دفعت اليها، فاذا المدينة من ذهب وفضه ومفضّض ظاهرها وباطنها، ظاهر سورها، بصنوف الجوهر، تتلألأ كأنها النيران. فجار «2» بصري، وبقيت مبهوتا انظر اليها، ونظرت مع السور الى اعلام طوال في السماء خارجة منها، يدروكما يدرو، مبنية بلبن الذهب والفضة.
ففزعت من ذلك فزعا شديدا، وكاد يختلط عليّ عقلي فسرت مع سورها عامّة يومي، حتّى انتهيت الى باب من ابوابها، فاذا هو عال في السماء وعليه مصراعان من الذهب مفضّضان «3» بصنوف اليواقيت وسائر الجوهر. فقلت في نفسى: هذه والله المدينة التى وصفها الله، عزّ وجلّ، في كتابة العزيز، فالحمد لله الذى بلغنيها.
فعقلت ناقلتى، واخترطت سيفي، ثم دخلتها، فادا انا بقصور عالية منيفة مبنية بلبن الذهب والفضه وقد الزق «4» بعض ذلك اللبن ببعض بالذهب «5» المذاب، واذا حيطانها كلّها مفّضضه بصنوف الجوهر تتّقد مثل الجمر «6» واذا انهار في تلك الشوارع والسكك تطّرد بالماء الزلال، وعلى حافتي تلك الانهار اشجار من ذهب مثمرة بصنوف اليواقيت وسائر الجواهر. فمضيت في ذلك النهر الذى في ذلك الشارع هويا من النهار «7» ، حتى انتهيت الى واد يطفح بالماء الزلال، ياخذ تلك الانهار والسواقي كلها من ذلك الوادى، واذا الوادي والسواقي كلها مبلطة «8» بالذهب وحصاها صنوف الجوهر. واذا على ذلك الوادى قصر منيف على تلك القصور كلّها من لبن الذهب مفضّض حايطه كما يدور بفصوص انواع الجواهر كالسراج يتقد فيه.
(1) . تاريخ الأصمعى: عدن فرأيت مدينة
(2) . الصحيح: فحار، من الحسيرة
(3) . الصحيح: مفصّصان كما اسلنت قبلا
(4) . النهاية: الصق
(5) . تاريخ الأصمعى: من الذهب
(6) . النهاية: كالجمر
(7) . النهاية: الانهار
(8) . اصل: مملطة