الحاجب: ما دخل عليك أحد، ولا فتح لك باب. وفى حديث آخر قال: رسول الله، او قيل لرسول الله: يا رسول الله ما حجة الله على كسرى؟ قال انّ الله تبارك وتعالى بعث اليه ملكا، فأخرج الملك يده من جدار البيت الذى كان فيه متخلّيا ليس فيه احد غيره. فلما أبصره كسرى، وهو يكتب في الحائط شيئا، فزع من ذلك فزعا شديدا، وبهت ينظر اليها.
فكتبت تلك اليد في الجدار بالفارسية ايّها العبد الضعيف، ان اللّه قد بعث الى خلقه رسولا، وانزل عليه كتابا. فأسلم وآمن، يجمع «1» لك خير الدنيا والاخرة. وانّك ان لم تفعل؛ هلكت عن قريب، وباد ملكك، وزال عنك سلطانك. فلم يرعو كسرى، ولم يحفل بما رأى، ولم يخبر بذلك أحدا من الناس. فسلّط الله تبارك تعالى عليه عظماء قوّاده واجناده، فخلعوه وملكوا عليهم ابنه شيرويه. فأمر به ابنه شيرويه، فقتل، وزال ملكه وباد، كما كتب الملك في ذلك الجدار.
رجعنا الى مقتل كسرى ابرويز. قال: وكان سبب مقتل كسرى انه لجّ في امر مرازبته والاساورة، الذين كان حبسهم بسبب نكولهم عن حرب الروم، وابى إلّا ضرب اعناقهم وقتلهم. فلما رأى الاشراف والعظماء ما عزم عليه من قتل اخوانهم؛ مشى بعضهم الى بعض، توامروا بينهم، وعزموا على خلعه والراحة لأنفسهم منه، وتمليك شيرويه ابنه، وكان اكبر ولده، ويقال- والله اعلم: انّه ابن مريم بنت قيصر التى كان زوّجها منه ابوه عند هربه من بهرام جوبين وقدومه عليه. فتواعدوا على ليلة سمّوها، فاجتمع المرازبة والوزراء والكتّاب واصحاب المراتب والولايات في تلك الليلة، حتّى أتوا السجون، فكسروها، واخرجوا اخوانهم المسجونين ثم أقبلوا من فورهم ذلك، فأخرجوا شيرويه بن كسرى من قصر كان فيه، فبايعوه وأمروا الاحراس «2» الذين كانوا يحرسون ملوك العجم ينادون: باس باس باس باس خسرو شاهانشاه. فاستيقظ كسرى من آخر الليل فسمع الحرس ينادون باس باس «3» شيرويه شاهانشاه. فلما سمع ذلك؛ علم ان اهل المملكة قد خلعوه، وملكوا عليهم ابنه شيرويه. فأمر بانزاله من سور القصر بحبل، فانزل ومضى، حتّى أتى باغا له يسمى الميروان «4» فدخله، واختفا فيه. فلما اصبح القوم والاشراف والاساورة، ودخلوا قصره، فطلبوه فلم يجدوه، فأتوا ذلك الباغ، فطلبوه، فوجدوه، وأقبلوا به مقنعا بثوبه، وأجلسوا شيرويه على سريره، ووضعوا على رأسه تاجه. وامر شيرويه
(1) . النهاية: يخرج
(2) . النهاية: الحرس
(3) . النهاية با نقطة سين، لطبرى 1042: قباد شاهنشاه.
(4) . طبرى 1043: الهندوان