قد جعلت أخبار قومى تبدو ... ان المنايا ليس منها بدّ
وتقدّم الهامرز، وكان على ميمنة اياس بن قبيصة حتى وقف بين الصفّين، ونادى بالفارسية «مرد (و) مرد» فقال زيد بن حماد اليشكرى: ما يقول؟ قال يدعو الى البراز رجلا لرجل. قال: وابيكم لقد انصف. ثم خرج اليه، فاختلفا بينهما ضربتان «1» ، فضربه يزيد ضربة بالسيف على منكبه، فقدّ درعه ولباسه، حتّى افضى السيف الى منكبه، فأبانه، فخرّ ميتّا.
فكان الهامرز اوّل قتيل بين الصفّين. فتباشرت بكر بن وائل بذلك، ورجوا ان يكون آيّة النصر. ثم اقتتلوا قتالا شديدا، وصبرت بكر بن وائل صبرا صادقا، ودارت الحرب بينهم كأشّد ما يكون مليا من «2» النهار. وعطشت العجم عطشا شديدا، فضعفوا عن الحرب لشدة العطش، فمالوا الى الجبّ وهى بين الخوس وذى قار، فلم يجدوا هناك ماء فضعفوا عن الحرب. وحال بينهم الليل، فأتوا بالماء في الروايا على الابل، فشربوا ليلتهم. فلما اصبحوا، ارسلت طى وبهرا والعباد واياد وسائر من كان مع العجم الى بكر بن وائل رسولا يعلمونهم ان ظفرهم احبّ اليهم من ظفر العجم، ويخبرونهم انّهم يعتزلون الحرب، فلا يكون عليهم ولا لهم، وينهزمون اذا التحمت الحرب بينهم وبين العجم. فأرسلت بكر بن وائل اليهم: بل ان انهزموا، اذا التحمت وبين العجم الحرب «3» . ثم زحف الفريقان حين اصبحوا في اليوم الثانى بعضهم الى بعض، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، ولّى من كان من العرب مع اياس، وانكسرت العجم بذلك انكسارا شديدا. غير انّهم صبروا صبرا صادقا.
فاقتتل الفريقان قتالا شديدا، ونفد ما كان مع العجم من الماء فأصابهم الحّر والعطش. وكانت العرب لا تبالى بالحّر والعطش، لعادتهم على ذلك. وخرج كمين العرب زيد بن حماد ومن كان معه بن بكر بن وائل من وراء العجم. فألقى اللّه الرعب في قلوبهم، فولّوا منهزمين على وجوههم. فأتبعهم سرعان بكر، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة. ولحق حنظلة بن سيار العجلى جرابزين قائد العجم، وكان على ميسرة العجم، وقد اجهدهم العطش، فطعنه خرّمنها ميّتا. ودفع هانى بن مسعود فرسه في طلب اياس بن قبيصة، حتى لحقه «4» ومعه قيس بن مسعود ذو الجدين. فأراد هانى قتل اياس، فمنعه قيس، وحال بينه وبين قتله.
واتبع العجم خمسمائة فارس من بنى شيبان وبنى عجل لا يلوون على شى ء ولا على
(1) . النهاية: طغنتين
(2) . النهاية: في ذلك
(3) . ص: بين القوم
(4) . النهاية: لحق به