غيرهم. فلما سمع كسرى ما أجابه به النعمان؛ عرف صدقه في ذلك، وعلم انّه لم يتزّيد في مقالته، ولم يكذب في لفظه، لانّه قد كان تحقّق ذلك كله عنده، وبلغه عن غير النعمان عجب من رصانة عقل النعمان، وادلائه بالصّواب في قوله، وما احتّج به عن قومه، واستحلى حسن لفظه، وأعجبه جرأة مقدمه، وحسن مجاورته. فقال: يابن المنذر، انّك لاهل لما انت فيه من الرئاسة على قومك، والفضل الذى هو فيك على عشائرك، ولقد صدقت في جميع ما قلت، ولقد بلغنى ذلك كله عن غيرك، وبالحكم تكّلمت. ثم كساه خلعا كثيرة من لبوسه، واكرمه، واعظم حبوته، وردّه الى مملكته، وقد زاد ما سمع منه عنده نبلا وحظوة لديه. فلما قدم النّعمان الحيرة، بعث رسله في احياء العرب بأشخاص عشرة أنفار من ساداتهم وفرسانهم، واهل النباهة منهم والحكمة والعقل فيهم. فشخصوا اليهم، وكانوا من هذه اسماؤهم؛ منهم: اكثم بن صيفى التميمى وكان من حكماء العرب وعقلائهم. حاجب بن زرارة التميمى، وكان من فرسان العرب وساداتهم. وخالد بن جعفر العامرى، وكان من اهل النباهة والشرف والفضل. وعلقمة بن علاثة العامرى، وكان سيد قريش ورئيسها. والحرث «1» بن عباد البكرى فارس النّعامة، وكان من حكماء العرب وفرسانهم. وعمرو بن معدى كرب، وكان فارس العرب في الجاهلية والاسلام. والحرث بن ظالم، وكان من سادات العرب وفرسانه. وعامر بن الطفيل المزنى، وكان فارس قومه وسيّدهم. فساروا حتى وافوا الحيرة، فدخلوا على النعمان، وهو في مجلس له بالخورنق، فسلّموا عليه، وحيّوه بتحيّة الملوك. فأذن لهم، فجلسوا عن يمينه وشماله على مراتبهم وفضل اقدارهم. فقال لهم النعمان: انّى بعثت اليكم لكلام سمعته من الملك كسرى، فخفت ان يكون انّما اظهر ذلك احتقارا منه للعرب، وتصغيرا لشأنهم. وقد عرفتم قرب جوارنا معشر العرب منه، وقد أحببت ان يعرف غور «2» عقولكم ومخّة «3» آدابكم، وشدّة انفسكم، ورصانة ألفاظكم. ثم اقتصّ عليهم مقالة كسرى، ومارّد عليه حرفا حرفا. فقالوا: ايها الملك ما احسن ما جاريته، واحكم ما حاججته، فمرنا بأمرك ننته اليه. فقال لهم: انما انا كأحدكم، وليس من عزّى إلا بكم، ولا شى ء آثر عندى من تقوية امركم، وثبات منعتكم، وكبت عدوكم. وقد رأيت ان تسيروا بأجمعكم الى الملك كسرى، فينطق كلّ واحد منكم بما يحضره من الكلام المتين الرّصين، ليعلم انّ العرب على غير ما ظنّ وخلاف ما حدث به نفسه. ولا ينقص احد منكم بما ينقضه ويغضبه، فانه ملك مترف كثير الاعوان عظيم
(1) . تكتب اليوم: الحارث
(2) . النهاية: غزر
(3) . النهاية: صحة، وهو الصحيح