فهرس الكتاب

الصفحة 419 من 486

اللّحظة، ويومئ الايماء، فيجعل للمومى اليه الملحوظ نحوه ذلك عهدا وثيقا دون خرج نفسه. واما السنتها، فان الله، عزّ وجّل، قد اعطاها من ايجاز المنطق وعذوبة الكلام ما لم يعط احدا مثله بين الناس، مع ضربهم الامثال، ونظمهم «1» الحكمة بالاشعار ما لم يقدر احد على مثله من الامم التى ذكرها الملك. اما خيولهم افضل الخيول الخيل العتاق، ولباسهم افضل اللباس حلل اليمن وبرودها، ومعادنهم البحر الذى يكون فيه الدّر والياقوت، وحجارة جبالهم الجزع وحشيش ارضهم الورس، ومطاياهم الابل التى لا يقطع الاسفار البعيدة الا عليها، ولا يسلك القفار والفيافي إلا بها. واما سخاؤها فان الرجل منهم، يكون له البكرة او الناقة الّتى منها درّها وعليها حمولتها، فيطرقه الضعيف الّذى يجتزئ بالأكلة ويكتفى بالبلغة، فينحرها له. واما ما ذكر الملك ان ليس لها ملك يجمع قواصيها، ويمنع عنها عدوها، كسائر الامم؛ فسائر الامم انّما ملكت عليها ملوكها، لانّها اقرّت من انفسها بالضعف، وتخوفها من اعدائها بادرة الزحف «2» ، فأرادوا ان يدفع ملكهم عنهم اعداءهم، ويأخذوا لضعيفهم من قويّهم، ويمنعوا لهم قواصيهم. فاما العرب، فقد كادوا يكونون كلّهم ملوكا اغلظ اكبادهم وانفهم «3» من اداء الخراج والاقرار بالقهر. ولكل قبيلة رئيس منها، وسيد يحمي ما يليه. واما ما ذكرت ايّها الملك، انّهم يقتلون اولادهم من الحاجة، فانما يفعل من فعل ذلك منهم بالاناث دون الذكور غيرة من النكاح، وأنفة من الازواج، لا من الحاجة والضّرّ. واما ما ذكرت من الابل، وزعمت انّها زهمه اللحوم غليظة الشحوم، وخمة المذاق؛ فليست كذلك، بل هنّ اكثر البهائم شحوما، واطيبها لحوما، واحلاها مضغة، واقلّها غائلة، لانّه ليس شى ء من اللحمان تطبخ له لحوم الابل بالماء والملح، إلا استبان فضل لحوم الابل عليها. وانما تركت العرب في بيع ما سوى الابل، واحتقروا منها، فعمدوا الى اعظم الانعام عظما، واقواها، فجعلوا «4» ركابهم وطعامهم. وامّا ما ذكر الملك من رياض اليمن، وتوطئة ما كان من كسرى انوشيروان لها ومملكتها، فانّه انّما بعث اليها الجيش عند غلبة الحبش «5» عليها، فورد على امر مستوسق وجند مجنّدة ولو لا ما كان من تحاسدهم على سلطانهم وتنافسهم في ملكهم ووقوع العصبيّة بينهم، حتّى حملهم على ذلك التحاسد، وحدأهم على التخاذل؛ لما قدرت الاحباش على افتضائهم سلطانهم، ولا ابتزازهم ايّاه، ولكان فيها من يجيد الطعن «6» ويأنف من الضيم، ويستغنون عن استنصار

(1) . النهاية: نطقهم

(2) . النهاية: بادرت الوخف

(3) . النهاية: انفتهم

(4) . الصحيح: فجعلوه

(5) . النهاية: الأحباش.

(6) . النهاية: الطعان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت