فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 486

لا رد عليه، فان آمننى من غضبه تكلمت.

قال له كسرى: انطق بما بدالك.

فقال النعمان: اما امتّك ومملكتك، فلا تنازع لموضع الفضل الذى هو فيهم، وما هو فيه من فروسيتّهم واحلامهم وسطوتهم، وما كنفهم اللّه به من ولايتك وولاية آبائك من قبل عليها. واما سائر الامم التى ذكرت ايها الملك، فأية امة تقربها العرب، الا كان لها الفضل عليها.

قال كسرى: لماذا؟ لعزّها ومنعتها وحسن وجوهها وصفاء الوانها وفروسيتّها وخلوص انسابها وفضل سخائها وكثرة حكمتها في اشعارها وغزارة عقولها وشدّة بأسها وفضل نجدتها وجرأة قلوبها وغلظ اكبادها وانفها من الضيم وتمسكها بما هو عليه من دينها. فأما عزّها ومنعتها، فانّها مجاورة لآبائك الذّين وغلوا في الارضين، واحتووا على البلدان، ودالت لهم الملوك، فلم يطمع فيهم طامع، ولم يتناولهم متطاول ولا متناول.

حصونهم ظهور خيولهم، وسقوف بيوتهم من عزهم السماء وحصون سائر الامم القلاع والحصون وجزائر البحور. وامّا حسن وجوهها؛ فقد عرفت فضلهم على الهند المحترقة الوجوه، والروم المشوّهة الوجوه، والاتراك والصين العريضة الوجوه، والحبش السود الوجوه. واما معرفتها بأنسابها؛ فانه ليس في الامم امّة الا وقد جهلت اباها واصولها وكثيرا من اوائلها. فالرجل منهم يسأل عن ابيه الذى خرج من صلبه فلا يعرف. وليس في العرب احد دان ولا شاسع الا ويسمي آباءه «1» حتى ينتهى الى آدم. فقد فهموا انسابهم، وعرفوا اصولهم. ولا يستطيع احد منهم ان يدخل في قوم غير قومه. ويدعى الى غير آبائه. واما دينها وشريعتها، فانهم متمّسكون به محافظون عليه. وبلغ من تمسّكهم ان لهم اشهرا حرما وبيتا محرما «2» ، يعقرون فيه ذبائحهم وينسكون فيه مناسكهم، ويسوقون اليه انعامهم. فيلقى الرجل منهم قاتل ابيه وقاتل ابن عمه في ذلك الشهر الحرام وذلك البلد المحرم، فقدر منه على ادراك دخله «3» واخذ ثأره، فيحجزه عن ذلك تمسّكه بدينه، ولا يعرض له بمساة «4» ، فضلا عن غيره. واما وفاؤها، فان الرّجل منهم يبلغه ان الرجل استجار به، او لجأ اليه، فيمنعه من جميع من اراده، ولا يخفر ذمتّه، ولا يسلّمه ابدا، ولو قتل وقتلت عشيرته، وفاء منه له وحفظا لعهده. ويلجأ الى الرّجل منهم المخذول المطلوب من غير ان يكون ذا قرابة وذا رحم بينه وبينه، فيبذل ما له ونفسه دونه. وان الرجل ليلحظ

(1) . النهاية: أبا آبائه.

(2) . النهاية: بيت حرام

(3) . الصحيح: ذحله

(4) . الصحيح: بمسائرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت