فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 486

السلطان. وليكن اوّل من يبتدئ بالكلام اكثم بن صيفى، لسنه وعقله وحكمة كلامه؛ فانّه انما دعاني الى التقدمة اليكم في ذلك علمى بحرص كل واحد منكم على المبادرة في الكلام قبل صاحبه، فيجد في آدابكم مغمرا «1» وفى عقولكم مطعنا. ثمّ امر لكل رجل من بحلة يمانيّة مختومة بياقوتة وبعمامة خزّ من لبوسه ونجيبة مهرية وفرس عتيق نجيب بين يديه، وكتب معهم الى كسرى:

بسم اللّه الولىّ الكريم. امّا بعد، فان الملك ألقى الى من أمر العرب ما قد علم، فأجبته في ذلك ما قد سمع. فأحببت ان لا يتخالج في قلب الملك انّ امّة من الامم الذّين يغترّون بالقوّة والجرأة والتدبير، لها فضل على العرب في شى ء من الامور. وقد اوفدت الى الملك رهطا من العرب لهم فضل في عقولهم واحساب في عشائرهم. فرأى الملك في الاستماع منهم والتغامس على خطاياهم ان ظهر منهم، واكرامى بكرامتهم، وتعجيل صرفهم موفقا، ان شاء الله. فخرج القوم بالهيئة التّى هيّأهم بما النعمان وساروا حتى قدموا على كسرى بالمدائن. فأمر بانزالهم واكرامهم، حتّى يجلس لهم مجلسا يسمع منهم.

فجمعهم اليه ذات يوم، وجمع اليه عظماء مرازبته ووزراءه، وجلس لهم على سريره، ووضع على رأسه تاجه، وأمر بكراسّى الذهب المفضّضة بالجوهر، فوضعت لهم وجلس عدى بن زيد العبادى الى جانبه، ليترجم له ما يقولون، ويردّ عليهم ما يقول. وكان عدىّ ماهرا باللسانين جميعا. وكان ترجمان كسرى فيما بينه وبين العرب وكاتبه بالعربية، اذا اراد ان يكتب الى احد منهم. ثم امر حاجبه كسرى ان يدعو بهم رجلا رجلا وواحد بعد آخر على منازلهم الّتى رتبّها بها النعمان في كتابه، وقدم من اسمائهم. فكان اوّل من دعا به اكثم بن صيفى التميمى، فأقبل حتّى قام ماثلا بين يدى كسرى، ثم قال: افضل الاشياء اعلاها وافضل الرجال ملوكها، وافضل الملوك اعفّها، وخير الأزمنة اخصبها، وافضل الخطباء اصدقها. فالصدق منجاة، والكذب مهواة، والخير عادة، والشر لجاجة، والحزم مركب صعب، والعجز «2» مركب وطى ء، وركوب الرأى عن رأى افضل من اتباع الهوى، والعجز مفتاح الفقر. وخير الامور مغبّة الصبر، وحسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة، من فسدت بطانته، كان كالغاص بالماء. وشر البلاد بلاد لا امير بها، وشّر الملوك من يخافه البرى ء. المرء لا يعجز لا المحالة. وافضل الاولاد البررة، وخير الاخوان من لا يرائى. واحقّ الجنود بالنصر من حسنت سيرته، وأحزم الرجال المتثّبت في امره. الصمت حكم، والعىّ من الفشل. واحسن البلاغة الايجاز. وحسبك من شرّ سماعه. من شدّد تنافر، ومن

(1) . النهاية مغنما؛ والصحيح: مغمزا

(2) . النهاية: والفخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت