فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 486

بالاقصى، وان التغيّب عن القريب مطمعة للبعيد، وإن ابغض البعيد. وملاك ذلك: ان يجعل عيونا عليهم في ابواب صدقهم وبرّهم وامانتهم وعفافهم وجزيهم وفضل غنائهم، ليرفع اليك محاسن الامور ومساويها في ما وافق الهوى او خالف الرضا، وكل ما يجب ان يصدر اليك من ظواهر حواجز الامور وغوامضها، فيكون العفو من الملك بعد القدرة. العقوبة بعد المعرفة. فانّ في محافظة الامور في هذه الخصال داعية الى صلاح السلطان، وضبط الامور، وامن الرعية واطفاء النائرة، وامن العثرة، ان شاء الله تعالى.

فلما سمع انوشيروان ذلك من بزرجمهر، أمر أن يحشى فوه بالدّرّ والياقوت بقدر ما يسعه، ففعل ذلك به.

قال: واجتمع عند كسرى انوشيروان: بهسابور موبذان موبذ، ويزدجرد رأس «1» الكتاب وبزرجمهر. فقال لهم كسرى: ليقل كل رجل منكم عشر كلمات من الحكمة، لا نتفع بها في امر دينى وضبط سلطانى.

فقال الموبذان: خير الرجال اكثرهم ادبا، واسخاهم نفسا، واصوبهم مقالا، وارحمهم اذا كان مسلّطا، واقلّهم تطاولا عند القدرة، واطلبهم لرضا العامّة، واحسنهم عند المنطق لهجة، وابعدهم من الحقد، واشدّهم تودّدا الى الناس، وابرّهم بالقريب «2» والبعيد، واسرعهم الى معونة الصادر والوارد.

فقال يزدجرد رأس الكتاب: اقبح الاشياء من كان في نعمة لم يدر ما قدر البلية. ومن لم يدر ما قدرها، لم يرحم اهلها؛ ومن طمع، تاقت نفسه؛ ومن تاقت نفسه، سها عقله وفسد عيشه؛ ومن فسد عيشه، قلّ سروره؛ ومن قل سروره، كان الموت اروح له. ومن اراد معروفا، فلا يطوله. ومن همّ. فليجعل اولى الامور بالنجاح الالحاح. قد يمنع الظفر الظن، ويتبع الظن التغيير. والكلام مصاد القلوب، اللقاء شفاء الغليل، التعصّب يمكن المنع، الرفق سبب القدرة. ولكل مقام مقال، ولكل زمان رجال.

فلما سمع القوم ذلك، اعجبهم ما سمعوا من حسن منطقه وحكم كلامه وحلاوة لفظه، فحسنت آمالهم فيه، وعظم رجاؤهم له.

قال: فلما تمّ للملك كسرى انوشيروان اثنان واربعون سنة، مرض مرضته التى مات فيها، فجمع اليه ولده واهل بيته، وامرهم، فأجلسوه مستندا. فقال: يا قوم! انّ الله قد استحكم لكم الملك، ووطّألكم السلطان منذ زمان جدّكم اردشير بن بابكان؛ فعرفتم مواقع النعمة التى انعم عليكم، وابصرتم منقلب الامور الذى جعله لكم، واستدللتم بما

(1) . النهاية: رئيس

(2) . تاريخ: الى القريب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت