عمل به، والخامس: نشره، وافضلهم طاعة الله فيه. ينبغى للعاقل ان يجالس العلماء ساعة، ولا يجالس الجهّال. فانّه ان أصاب لم يحمدوه، وان أخطأ عنّفوه، وان جهل لم يعلموه. وان احتاج إليهم خذلوه. ومما يدلّ على علم العالم معرفته بما يدرك من الامور، ورغبته في المكارم وإظهاره علمه للناس، ومعرفته بأهل زمانه، وبصر بالناس، وارشاد المستشير، وترك مخالطة خلطاء السوء، والتسوية بين لسانه وقلبه، لئلا يسبقه لسانه الى ما يكتمه قلبه. قال من حضر من القوم: ايّها الحكيم، اىّ شى يؤتاه المرء خير له في دنياه وآخرته؟ قال: غريزة عقله. قال: فان حرمه؟ قال: طلب العلم. قال: فان حرمه؟ قال، صديق جسور لبيب. قال: فان حرمه؟ قال: ميتّه قاضية وموت «1» عاجل. قال آخر: فما ثمرة العلم؟
قال: ثمرته محّبة الناس لصلاحه، والاخذ بالوثيقة لنفسه. وقال آخر: فما افضل ما أوتى العاقل لصلاح دنياه وآخرته؟ قال: الاستماع من العلماء والقبول من الحكماء والتقّدم في العمل قبل وقته، وحسن الرويّة فيما يأتى، وتجنّب الطغيان عند القدرة، وترك الاستكانة عند النايبة. ولا يترك خيرا قد اسرع له، ولا يحزن على ما هو لا محالة واقع به، ولا يحاول ما ليس من شأنه، ويعاون الصديق بما يستغنى به عن حكومته، ويعامل العدوّ بما لا يخاف لائمة الناس فيه. ومن ثمرة العمل أيضًا: الكفّ عن التأنيب في الشى ء الذى ليس التأنيب بنافع فيه، واتخاذ التجارب منارا فيما يحاول من الامور، وان لا يحمد ما ليست له حقيقة، والمباعدة من سرور تكون عاقبته ثبورا، ولا يطلب الراحة بالتّوانى، ولا يعمل عملا يخاف ان يورثه ندامة، ويحتمل النصب فيما فيه المنفعة، ويرضى بالحق اذا لزمه. ودعا كسرى «2» يوما وزراءه وحكماءه فقال: ليتكّلم كل متكّلم منكم بما يحدونى على ضبط ملكى واصلاح سلطانى! فتكلّموا في ذلك، وأكثروا، فلم يقنعه ما قالوا. فقال لبزرجمهر:
هات ما عندك! فقال: ان اوّل ما احدو «3» عليه وارغب اليك فيه تقوى الله في الرغبة عند الميل والهوى والغضب والرضا، وان تعجل ما عرض لك من ذلك كله للّه، لاللناس، ليجزيك ويكافيك عليه.
والثانى: الصدق في القول والوفاء بالعهد، وانجاز الوعد، في الحالات التى يرضى به الخالق، ويصلح بها المخلوق.
والثالث: استشارة العلماء الموثوق بنصحهم، في ما يحدث من الامور المهمّة، ويدلهمّ من الاحداث المعضلة، وقبولك منهم، واحتمالك غلظة ان ظهر من منطقهم في ما فيه
(1) . النهاية: فناء
(2) . ينظر: مروج الذهب: ج 1 ص 295 - 296
(3) . يبدو الصّحيح: احذر