فتكلّم القوم جميعا بما حضرهم من جوامع الآداب وفنون الحكمة. فلما فرغوا من ذلك، قام بزرجمهر بن البختكان، فصدر امام الملك؛ فقال: ان رأي الملك، عمرّه اللّه، ان يأذن لي في كلام. فانّ عندى حكمة ولي ادب ثاقب وعلم جامع، أحببت ان اظهره للملك. فان الحكيم ليس بملوم في اظهار حكمته وابداء ظاهر آدابه «1» ومكنون علمه. قال كسرى:
دونك! فتكلّم! قال بزرجمهر: انّ افضل الكلام الايجاز، والاكثار ضلال، والباطل خيال.
الدنيا سفرة والآخره غاية. من يقلّ الحقّ يفلح، ومن يعمى عن علمه يفلح عليه. لكل حقّ حقيقته، ولكلّ انسان خلق وخلقة. فليلتمس من الامور حقائقها، وليجري الامور على طرائقها، وليعامل الناس على طرائقهم. واسّ «2» الامور معرفة اللّه، وعموده خوف اللّه وذروته طاعة اللّه. من يطع اللّه يرفعه، من يتعزّز عليه يذلّه. القصد اقرب من التعسّف، والكفّ اهون من التكلّف، والتقدم أنجى «3» من التخلّف. اقرب العدة «4» ذو القرابة، واصدق الاصدقاء التصافى. وكن في الدنيا ببدنك، وفى الآخرة بقلبك، واجتز بما يجزى، ولا تعن بما لا يغنى، وايّاك ما تشتهي. الصدق قوه والكذب عجز، والسرّ أمانة والجوار قرابة، والمعرفة صداقة والعقل تجربة، والخلق عادة، والصمت زين، السخاء غنى، والشّح فقر، والرفق لّب، عداوة العاقل اسلم من موّدة الجاهل. القوىّ من عجز عمّا يضرّه، والضعيف من قوى على ما لا ينفعه، والغنىّ من غنى بقوّته. كن في التواضع في العلم كالجاهل، وكن في الاقتصار في المنطق كالغنى «5» من العلم ما تحتمل من العمل، واكتف من المنطق بالتغافل. وان غلبت على العلم، فلا تغلبنّ على العمل. وان غلبت على المنطق، فلا تغلبّن على الصّمت. فان الصّمت سبيل البلغاء، وهو أجلب للمودّات، وانفى للحسد.
واذا تعلمت علما، فاحفظه. فان اضاعة العلم نسيانه. المجانبة تطلب العداوة وتمحق القديم. وليكن رغبتك في المال، كرغبتك في إنفاقه في وجوهه، ولا تكونن إنفاقه باقلّ حرصا من جمعه. فرّ من الجهل واهله، فانّهما كالجيفة، من مرّبها لم ينج من ريحها. اعطاء العدل من نفسك بدون الرضا منك. ولا تجعل اذنك عالما القى اليها، ولا يكونّن رضاك وغضبك بيدى غيرك. اقبل العذر ممّن يعتذر اليك، ولا تتكلّم الا بما ينفعك، فتكون كالمرسل سهمه؛ ولا تطلب الامور مدبرة، ولا تطمع فيما ليس لك، فان ذلك مفتاح الفقر.
اليسير يجزى من الكثير، والكثير لا يغنى من القليل.
(1) . تاريخ: إبانة إظهار أدبه.
(2) . تاريخ: رأس
(3) . النهاية: أنمى
(4) . تاريخ: العدوّ
(5) . ص: كالعينى، النهاية: كالعى، تاريخ: الغنى فى