علّقنا شيئا، فأخبرنا به لنعرف صدقك، ونرضى بحكمك. فقال الكاهن: جرادة ضعيفة طيارة، مطيعة عالية منيعة. قالوا: بيّن لنا! فقال: طائر يجول، يشرب ولا يبول، في مزود محصول. قالوا: بيّن لنا! قال: ذلك طائر طار فسقع فوقع فلمع، وجال، فارتفع. قالوا: بيّن لنا! قال: ذلك في جوف مزادة في عنق ذى القلادة. قالوا: صدقت، فاحكم بيننا. فقال:
الاجباب للسيد الوهّاب الكريم النصاب. قالوا: بيّن لنا. قال: الاجباب لذوى الحسب، اعنى عبد المطلب، قريع العجم والعرب. فلما سمعوا ذلك، سلموا الآبار لعبد المطلب. فكان ينحر عليها الجزر ويوكّل بها قوما يقيمون عليها في مبدأ الحاجّ ومنصرفهم، فيطعمون الناس. فما فضل عن النّاس خلّى للطير والسباع. فكان كذلك طول حياته.
ولم يزل باذان ملكا على ارض اليمن بقية ملك كسرى انوشيروان، وجميع ملك هرمزد، وجميع ملك كسرى بن هرمزد الذى يلّقب ببرويز، وبعد ذلك الى ان جاء الله بالاسلام. وبقى اعقاب اولئك العجم بأرض اليمن، وكثروا بصنعاء، واتخذوا المزارع والمصانع، وسمّوا الابناء. وكان منهم وهب بن منبّه الفقيه، وطاووس وكيسان الفقيه.
ومات باذان في خلافة ابى بكر الصّدّيق، فبادرت ابناء العجم الذين كانوا بصنعاء الى الاسلام، وقتلوا الاسود العنسىّ، وقد كان ادّعى النبوة فكتب ابو بكر الى عامله باليمن، ان يقرب اولئك الابناء، ويحسن جوائزهم، ويكرمهم، ويتّخذ منهم قضاوة وحكماء عندما بلغه من حسن اسلامهم وورعهم وفقههم. قال فأصابوا في ناووس، من نواويس الابناء من العجم الذين كانوا بها، لوح حجر مكتوبا فيه بالفارسية: واننوا ميسّرة كدينك كرديبزه، وثن هيدا في توشه. وتفسيره: ارتحل بلازاد. وقوله وايذا سس حرمه الحىّ بعد كسالى وقوله «و بخورند بمزه» يأكلونه بطيب طعم ولذاذة «1» . وحدثنا رجل عن حمير عن ابيه، وقد كان ادرك زمان باذان، قال: احتفرنا زمان باذان حفرة بصنعاء، فوقعنا على بستوق فخّار صغير مطبّق فخّار، ففتحناه؛ فاذا فيه حبة حنطة فيها رطل بالمكى. وكان بصنعاء شيخ من حمير له سبعمائة عام، وله ابن له ستمائة عام، وللابن ابن له خمسمائه عام، عمروا جميعا الى زمان باذان فانطلقنا بالحبّة الى الاصغر منهم، ورجونا ان يكون أثبت الثلاثة عقلا، فاذا هو قد خرف فانطلقنا الى ابيه فرأيناه اثبت عقلا من الابن. فانطلقنا الى الآخر فاذا هو اثبت عقلا من الابن وابن ابنه. فسلّمنا عليه واريناه الحبّه. فلما رأها بكى. قلنا: ما يبكيك؟ قال:
لقد كنّا وجدنا كلّه على هذا «2» ؛ وكان لنا ملك من حمير على دين ابراهيم فاستعمل علينا
(1) . برون 202
(2) . النهاية: وجدنا كل حنطتنا على هذه، تاريخ: قال لنا والله لقد وجدناه واكلناه وكلّه كان على هذه الصفة وكان