فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 486

بنميمة في رجل من المرازبة فاستمع ما اتاه به ثمّ طرده بعد ان تحقق ذلك عنده. واخبر العظماء والاشراف اجمع ما كان عنده من السبب الذى نفاه به، ونبذه عنه، لينفي عن نفسه سبل النميمة والوشاية، وكان من عادته ان يعاقب اهل الجرائم، اذا استقرّ عنده جرمهم على رؤوس الملأ «1» ، ليحسم بذلك اسباب الفساد بالنميمة.

وكان يأمر وزراءه ان يكلموه عند استعار نار غضبه في عقوبة من يعاقب من اهل الجرائم، ويشفعوا اليه في الصفح عنهم. ويقول: ان المذنب من رثى له ورحم. ويقول:

سمعت فقهاء اهل ديننا، انّ اعظم الاجر الرحمة لاهل الجرائم. وكان لانوشيروان محاسن كثيرة، ومن جماع محاسنه محبته للأدب، واحياء «2» الحكمة واهلها، وايثار الرأفة والتحنّن على اهل المملكة، وقلة استماعه لقول اهل البغى والوشاة، وحسن تأتيه الامور، وترك العجلة في الاعمال الّتى يخاف ضرر عاقبتها، وقربه الى الناس، وعفوه عند القدرة. قال وكان عبد المطلب بن هاشم في عصر كسرى انوشيروان من اوّل ملكه الى انقضائه. وكان كسرى سمع بعبد المطلب، وبلغه فضله في عظيم شرفه وسنائه وسؤدده. ولم يكن في عصر عبد المطلب احد من الملوك إلا كان يعرف فضله، ويبلغه سخاؤه وجوده ونجدته، وما كان يطعم الطعام على رؤوس الجبال الصادر والوارد، فما فضل عن الناس أمر به، فتركه للطير والوحوش والسّباع، وفى ذلك يقول ابو طالب:

ونطعم حتى يأكل الطير سؤرنا ... اذا جعلت ايدي المفيضين ترعد

وانّه اشترى مياها من بنى النضر بن معاوية بن بكر بن هوازن، وهى الّتى يقال لها الاجباب. فخاصمته فيها بنو الزيّات، فاصطلحوا على ان يحكم بينهم كاهن فيها، وكان اسمه طاعة. فخرج منهم لعبد المطلب عشرون رجلا، وأخرج عبد المطلب من قومه مثل ذلك، فضلّوا عن الطريق ذات يوم، ونفد ما كان معهم من الماء حتى أشفوا على الهلكة.

فتفّرقوا في طلب الماء، وأناخ عبد المطلب ناقته فنبع من تحت ركبتيها عين ماء فنادى في اصحابه، فاجتمعوا اليه. فنادوا يا بنى الزيات، فاقبلوا، وشربوا جميعا، وسقوا إبلهم، ثم مضوا نحو الكاهن. فلما قاربوا تيماء صادوا جراده، فجعلوها في مزود لهم، وعلّقوها في عنق كلب كان معهم، يسمى انوار «3» . ثم دخلوا على الكاهن، وقالوا: انّا اتيناك في امر، وقد

(1) . تاريخ: الخلائق

(2) . تاريخ: احتباؤه

(3) . النهاية وتاريخ: انواه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت