وجعل لها ستّة طساسيج: طسوج طيسفون وهى المدائن، وطسوج جازرق، وطسوج كلوادى، وطسوج بهر نوق، وطسوج جلولا، وطسوج خانقين «1» .
وكانت سجيّه كسرى العفو عن ثلاثة: خواصّه وبطانته، محتملا لعثراتهم. فبلغ من كريم صفحه وتعمّده واحتماله، ان وفودا قدموا عليه من قبل الملوك، فأتوا الباب، وأستاذنوا عليه. وامر رجلا من بطانته بان يخرج تاجه اليه، فيمسحه، ويقبل به، ليتوّج، ويأذن للوفود عليه بالدخول اليه. واقبل الرجل بالتّاج، حتّى انتهى به الى كسرى، وجعل يمسحه بكمّ قميصه. فكان به من السكر والخمار ما ارتعشت له يداه، فسقط التاج من يده، وانكسر حرفه. وذلك بعين كسرى، فغّض عنه طرفه مخافة ان يذّل. فتناول الرجل «2» التاج، وخرج الى بيت آخر. فدعاه كسرى، وقال: لا بأس عليك. فانطلق الى الحاجب، فمره أن يأذن لمن بالباب من الانصراف، ليجلس لهم غير يومهم هذا. ثم كظم غيظه، ولم يعاقبه على فعله.
وبلغ أيضًا من حلمه واحتماله وصفحه انّه دعا ذات يوم كاتب السّرّ، فعرض عليه كتابا أتاه من قبل اصبهبد خراسان، فيه أخبار من أخبار الترك غائظة له، فجعل يؤامره فيها.
وانّ رهطا من خاصّة كسرى قاموا خلف سريره، فأصاخوا لاستماع ذلك الخبر بحيث لا يراهم كسرى. فعطس واحد منهم، والتفت كسرى، فنظر اليهم؛ فقال: انّه لا ينبغى لكم ان تستمعوا سر الملك، ولا تأذنوا له بغير امره. فقد صفحت عنكم، وتجاوزت عن خطاياكم، فلا تعودوا لمثله. فقال له الكاتب: ايّها الملك لم تحتمل لمثل هؤلاء، مثل هذا الذنب! فتبسّم كسرى، وقال: ان الله انّما انتخبنا للملك، وفوّض الينا السلطان، واسترعانا للرعيّه لننعم على من ملكناه بالعفو والتجاوز، ونشملهم بالامن والرفاهية. ولقد بلغ من رأفتنا على من هو في اقاصي بلادنا من رعايانا أتعابنا في حمايتهم، ومخاطرتنا في حفظهم، واطلاقنا اموالنا في الذّب عنهم، وايصال المرافق اليهم ما قد علمت انفسنا، فكيف يستجيز ذلك، ورأينا في الاقاصى ذلك، فضلا عن الذين يبذلون نصائحهم، ويجتهدون في طلب موافقتنا انفسهم. وليس ينبغى للملوك ولا السوقة ان يخرجوا الخدم الى الشكوى، ولا التكلف لنوائبهم، ولا الالحاح في معاقبتهم بأدنى ذنب ولا ايسر زلة. وبلغ من حسمه النمائم عن نفسه انّ رجلا من بطانته كان ينقل اليه النمائم، فأتاه ذات يوم
(1) . الاخبار الطوال أحمد بن داود بن ونند ديتورى ص 74: كورة كسكر، بهرسير، هرمزد خره، ميسان.
(2) . تاريخ: من التاج جنديسار، زندورد، جوخى، خسروماه، طيسفون، طيسفونج، جازر، كلوازى، بهرتوق، جلولا، نهر الملك.