فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 486

وقرب النجح إجالة الفكر. وفى إجالة الفكر استخراج الفطن، وفى مشورة العلماء استجماع الحزم. فآجل الرأى قبل أن تعزم، واعزم قبل ان تصرم، ودبر قبل ان تهجم، واحتل «1» قبل ان تقدم. فالمغلوب من غلب على الرأي، وأضاع «2» المشورة، وهلك بترك الروّية وبسوء التدبير. والله الموفق لرشده وسداده. وقد جمعت لك يا بنيّ اصول الرأي، وغصون الادب، وفروع النظر، ومنابت الفكر، وجماع ما تفعل، ودعائم الفطن، ومصائد المكائد، ومتّصرف الحيل بعدى، بتمام نعم الله علىّ فيك، وتناهيها الى سعادتك، فتدبّر عهدى اليك بفراغ من لبّك، واحتمال من عقلك، وصحيح من ذهنك، واستجماع من حلمك، وحاضر من فهمك. وحصّن نفسك من سيلان الهوى، وملابسة الشهوة، وصوغ الخديعة. فقم «3» بذلك ابواب السداد، وتكّرع في مشارع التوفيق، وتسلك مناهج القصد. وانا استخلف الله عليك، واستحفظه نفسك واستودعه ملكك، انّه ولىّ قدير.

ثم هلك قباد، وكان ملكه مع سنى ملك اخيه جاماسف ثلاث واربعين سنة. فأخرج موبذان موبذ الكتاب، فقرأه على كسرى في مجمع من جميع المرازبة والوزراء واصحاب المراتب والولايات. فلما فرغ من قراءته؛ قام كسرى فيهم خطيبا، ودموعه تسيل على خدّيه، حزنا منه على مصابه بأبيه، فقال: ايّها النّاس انّ احرى ما استوحشت العامة منه، فقد ما يتخوّفون لفقده زوال العدل منهم، وحلول المكاره بالافضل فالافضل منهم في نفسه، وحميمه ونفيس ماله. وانّا لا نعلم وحشة اجلّ عند العامّة من فقد ملك صالح قد تعرّف منه المّبرة والرحمة. واختبرت منه الرأفة والمعدلة، فصار كالوالد الشفيق بولده، والاخ الودود لاخيه، وكالصديق المواسي لصديقه. وانّ فقد الوالد الشفيق وفقد الرجل الاخ الودود والصديق المواسي ايسر رزءا من فقدان الملك الصالح ذى البّر والمرحمة السائس للرعّية بالمعدلة. وانّ الملك قباد قد عرفتم الذى نالكم من كريم مملكته، وما شملكم من حسن نظره، واستفاض فيكم من فضل «4» تحيّته، وعمّكم من فضل رعايته، وجادلكم برأفته وعطفه وبذله وجوده، متحرّيا في ذلك رضا ربه. وقدمات وانقطع اثره؛ فكونوا في الحزن عليه احد ثلاث: امّا حزنتم لما نالكم من حسن سيرته وعفاف طعمته وفضل سياسته. وامّا حزنتم عليه لقوّته التى كانت على ضبط ملكه، وحماية رعيّته، وإذلال اعدائه من المتسلّطين على ارضه، فخفتم كلب العدو عليكم، وفسادهم في ارضكم عند

(1) . النهاية: واحتمل

(2) . النهاية: واطاع

(3) . تاريخ: فتم

(4) . تاريخ والنهاية: حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت