صديقك، ان يكافئك على عارفة اوليته ايّاها، او منفعة أسديتها اليه. فان في تنزيهك عن مكافاته في ذلك مكرمة منك، وفى ضده محقرة لك. افهمت يا بنى، كلّ ما اشرت من ذلك؟ قال كسرى: نعم يا أبة، قد اتقنت فهمه، وقبلت حقّ قبوله. قال له قباد: قد وفقّك الله، وسددّك، ورزق الرعيّة رأفة معدلتك، وهنأها صالح سيرتك ورأفتك، وايّدها بعطفك ورحمتك. ثم انّ قبادا دعا ثلاثة نفر ممن كان كسرى ينادمهم ويأنس بهم، وقد كان قباد عرف صدقهم ونصيحتهم، فسألهم عن شيم كسرى وطرائقه. فقالوا ايّها الملك:
ما نعرف عيبا فيه الا واحدا. فلعّل ذلك العيب ان يفسد عليه أمره. قال: وما هو؟ قالوا له:
ان له ظنّة قد ذهبت به مذهبا الّا ينتفع معها برأى ولا يصدر عن امر، سيّما اذا ارتفع الى الدرجة العظمى من التفرّد بالملك. فساءت قباد هذه المقالة. فأرسل الى كسرى، وقال: يا بنى ان نديميك ووزيريك فلانا وفلان ذكرا: انّ فيك ظنّه قد ذهبت فيك مذهبا لا غاية له.
ولسنا نأمرك بتضييع الاناة والتثبّت وسوء الظّن في ما تخاف وتحذر؛ غير انّا نأمرك ان يكون لحسن الظن في قلبك موقعا. فانّ من الافراط استعمال الظنون عند ورود العلم، وشدّة التهمة عند وقوع الامر. فانّ التهمة في غير كنهها داعية الى الاوزار. وانّ من افضل آراء الحرمة المحافظة على الاصول التى تفرع الفروع. ومن تلك الاصول حسن الظن في القول والفعل، وتمييز الامور على حقائقها. فتمسّك بذلك، واعلمه، وقف عنده. قال كسرى: افعل يا أبة، وأنتهى فيه الى ادبك ان شاء الله.
فلما تمّ لملك قباد ثلاث واربعون سنة، حضرته الوفاة. فكتب عهدا لابنه كسرى، ودفعه الى قاضى القضاة، وامره ان يظهر ذلك العهد اذا تفّرد بالملك، وقام بتدبير السلطان، ويقرؤه عليه في مجمع الناس.
وكان العهد: بسم اللّه وليّ الرحمة: هذا ما عهد قباد بن فيروز الى ابنه كسرى بن قباد، حين اصطفاه للملك، واختاره للقيام بالسلطان. امره ان يفرغ رأيه، وينسب علمه وبدنه بتقوى الله وحسن طاعته ومراقبة امره. فانه حصن حصين وشرف رفيع وذكر باق ومجد موروث. فاجعل اللّه أمام تدبيرك ومقدمة امورك وعقب اسرارك وغاية مسعاك؛ تكن مؤيدا في رأيك، مسدّدا في افعالك؛ معصوما من الزلل، وهفوات الخطر، وكبوات الرأى، وعثرات النظر، وتكفى من عناك امره من جميع الاجناس وصنوف اهل الملك، وانابة الى الله في تسديدك وارشادك حسن الظن كامل الثقة. واعلم يا بنىّ: ان استعلام «1» الامور عماد الحذر، وصحة الرأى تمييز ما يرجى فيه الخير، وعزم الرأى ملاك الظفر،
(1) . ص وتاريخ: استعمال