فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 486

رأيت تؤخر يومك هذا الى غد، فافعل قال له ابوه: لا عليك، يا بنّى، الا ان يكون في بيتك الّا ما حضر من الطعام والشراب. ثمّ امر، فحمل الى منزل ابيه آلة الصيد، وامر ابنه كسرى، فركب معه، لينظر الى فروسيّته وحسن رميه. فطلب قباد بنفسه الوحش، فاقتنص منها كثيرا. وامر ابنه كسرى فطلب عانة منها، واتبعه ابوه، لينظر الى علمه. فاقتنص كسرى احسن اقتناص، ورمى احسن رمى بمنظر ابيه وسائر من كان معه من الاشراف. فعجبوا من حسن رميه وفروسيتّه. فأمر قباد بتصوير ابنه كسرى على الهيئة التى اقتنص فيها في ايوانه، حتى اذا حان وقت الغداء انصرف قباد في من كان معه من العظماء والاشراف الى منزل ابنه كسرى، فطعموا وشربوا وتنّعموا يومهم ذلك، وطابت نفس قباد عندما عاين من حسن هدي ابنه كسرى وهيئته. فقال له: با بنيّ انّه يحّق علينا ان يكون طاعتنا له ومراقبتنا له واجتهادنا في الخيرة لمن يقوم بالامر من بعدنا بحسب ما خولّنا واعطانا. فانّا متى قصرنا في ذلك، كانت الحجّة لنا ألزم، والعين الينا اسرع. فانظر يا بنّى كلّ ما تلقى اليك من كلام الادب فتدّبره، واعمل رأيك فيه ونظرك له. واعلم يا بنّى انّ خير ما طبع عليه الانسان النزاهة، وطيب الطعمة، والحلم عند القدرة، فعليك بالتمّسك بذلك، ولزوم الاداب الصالحة والمحافظة عليها، واقمع نفسك عن طبائع السوء، ووطنّها على محبّة الناس وحملها عليه والاجتهاد في اسداء الخير اليهم واصطناع المعروف عندهم. وقالوا أيضًا: ان من شقوة الانسان بغضه للناس، ومن اسعاده حبّه لهم، واخلاص نيته فيما أمكنه من ارفاقهم، وجرّ المنافع اليهم. وانت يا بنّى بهذا كله عارف، فاستعمل معروفك وتحرّ «1» كل ما فيه القربة الى الله، والمحمدة الى الناس. وليكن تقرّبك الى الله ووسيلتك اليه المحّبة للناس، وابتدل نفسك في اجترار الخير اليهم، وشكر ذى البلاء والجميل منهم، وسيّما خاصتّك واهل بيتك وخولك وخدمك. واعلم يا بنّى: انّ الملك انما يثاب ويشكر على ثلاث خلال: حسن موأتاته للناس، واستماعه كلامهم باختيار وتمييز، واستعماله العفو عنهم.

فاما المؤاتاة، فيعمّ بها من لم يكن من رعيّته فضلا عن رعيّته، فان ذلك من الملك مكرمة وشرف. وامّا الاستماع من وزرائه وولاته، فمشكور.

واما العفو فعمّن استوجب العقوبة فضلا عمن لم يستوجبها.

واعلم يا بنيّ ان اسعد الناس اكثرهم صديقا، ولا سيّما الملوك ولا ينبغى ان يتّخذ الصّديق الا بالاختيار «2» واستعمال الصفح عن زلّاته، والشكر على احسانه. ولا تجشّمن

(1) . النهاية: والزم، تاريخ: تحركها فيه.

(2) . النهاية: بالاحسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت