الثعلب. فاحترس من هذه الهندّية من قبل ان تقتلك بحيلها، ثم لا تجد لها حيلة مع عظيم خطرك عندنا على اكثر من قتلها. قالت ابنة ملك الهند: ان تلك الطير اخلصت لملكها نصحها، غير انّك فكّرت في ذلك، ولفظت به لسوء «1» طاعتك وتهمة هواك ولؤم مغرسك ورداءة اصلك. وذلك انّه انّما تقّر المرأة عينها بأربعة رجال: بأبيها واخيها وبعلها وولدها. فأفضل النساء المختارة بعلها على جميع اهلها، والمؤثرة على نفسها، فكيف ويذهب ابوها واخوها وقومها ويبقى بعلها الذى منه ولدها، فتحبّ ان تهلكه؟
غير انّ مثلك في رداءة همتّك وخبث نيتّك مثل الغراب والحمامة. قالت وما كان من حديثهما؟ قالت ابنة ملك الهند: زعموا ان غرابا قد كان ألف مطبخا لملك من الملوك، وألفه الطبّاخون، وتركوه يأكل ما كان يسقط من ذبائحهم ممّا لا ينتفع به. ففقد الطبّاخون بعض ما ادّخروا للملك من اطايب اللحمان، فظنوا انّ الغراب أكله لقلة وفائه ولؤم جوهره فطردوه من مطبخهم وقالوا: ما نرجو بهذا الغراب، وهو من الطير الذى يعتاف برؤيتها خوف الهلاك وبأصواتها فراق الاحبّة. فشكا ذلك الغراب امره الى حمامة قد كان بينهما الفة، وفزع الى رأيها فيما ينوبه، واخبر بما كان فيه من مطبخ ذلك الملك من نعيم يضم المأكل والمشرب وما حرم من ذلك عند طردهم ايّاه عنه. قالت له الحمامة: انطلق بى حتّى نرى هذا المطبخ الذى تذكره. فانطلق بها حتى اتى سطح المطبخ. فقالت الحمامة:
انى ارى هذا البيت مرتجا، ليس فيه موضع ادخل فيه؛ فاحفرلى كوّة بمنقارك. بقدر ما ادخل فيه، واخرج منه، فان منقارى ضعيف. قال الغراب: وما تريدين بحفرى الكّوة في ذلك؟ قالت الحمامة: لاخرج اليك بعض ما يقوتك فحفر الغراب في سقف البيت جحرا بمنقاره. فدخلت فيه الحمامة حتى توسّطت البيت، فما عبأ الطباخون بها شيئا، واعجبهم حسن خلقها وصفاء لونها وطيب غذائها. فجعل لها خازن المطبخ موضعا تأوى اليه، لاعجابه بها؛ فلبثت في ذلك البيت قريرة العين. فناداها الغراب من ذلك الجحر، وقال لها:
ما هكذا وعدت من نفسك؟ فقالت الحمامة: لو وفيت لك، لحلّ بى غدرك. ولو اخرجت لك شيئا تتطعّم به، منعت حظّى من جميعه؛ وانما يشرك اهل الوفاء في عيشهم من وفّى لهم ولم يغترر بمنزلته منهم؛ وانّ القوم عرفوا وفاي وحسن جواري، وقلة غايلتى، وعرفوا غدرك وقلة عهدك وكثرة شرهك «2» وكراهة منظرك وقبح صورتك، وان لحمك لا يؤكل وجوارك لا تؤمن. فهذا مثلى ومثلك يا بنت السائس، لو وفيت لك؛ لاعدانى غدرك، وقتلنى مكرك. قالت ابنة السائس: من شغله ايثار غير ذي الفضل على نفسه؛
(1) . النهاية: لسيّئ
(2) . تاريخ: شهوتك