لذة ولا طعما. ولربّما بقى على الشجر شى ء لا نتعمده فيدرك، فاذا اكلناه وجدنا له طعما غير ما أكلناه، حتّى نتمّنى انّا عرفنا وقت ادراكه، فلم نكن نعجل في أكله. ولربّما اصابتنا السماء، فأهلكت فراخنا. ولربّما هبّت علينا السمايم، فلا ينجو منّا الا القليل، حتى نتمنى انّا وجدنا لها اكنانا تكنّها. فأقم معنا نواسيك بما قبلنا، ونعرف حقّ مجاورتك ايانّا. فاقام الثعلب عند ذلك الطير، فكان يعرّفهنّ الثمار المدركة من غير المدركة، ويحفر لهن بمخالبه حفرا في الارض، فيفرخن فيها، فيكنّ فراخها من المطر والسمايم، فعرف له ذلك ملك الطير. ونشط الثعلب، فكان اذا جنّه الليل وقرم الى اللحم، ادخل يده في جحر من تلك الاجحار، فأخرج الطّير وفراخها، فأكلها، ودفن ريشها. وجعلت الطير تفقد ما يأكل واحدا بعد اخر. فقال بعضهن لبعض: ما فقدنا افاضلنا وافراخنا، الّا منذ صارت هذه الدابة بين اظهرنا؛ وما كانت هذه الطير تطيل الغيبة عنّا هكذا، وما ندرى ما دهاها؟ فقال لها عظيمها: انّ هذا حسد منكّن لهذه الدابّة، وهى لا تعقل شيئا ممّا ذكرتم، ويعرفكم ما في الفاكهة من فضل المطعم، وما فيه فراخكن من هذه الاكنان والاشجار التى لا تخاف معها عليها حّرا ولا بردا. فقالت الطير: انت سيدّنا، وأبصرنا بالامور منّا. وانما شفقتنا من هذه الدابة المنكرة عليك ان تغتالك، فتأكلك، فلا يكون عندنا في ذلك حيلة الا قتلها، ولا تنظر الى تضرّعها لك، فانّ التضّرع اشدّ المكايدة. فلما اكثرن على ملكهن في ذلك، قال في نفسه: ما احسب هذا القول من هذه الطير الّا حسدا لهذا الثعلب، وقلة شكره؛ وسأقطع هذا القول منها عنه، واختبر حق ذلك من باطله بنفسى، واستبريه بيدى. فلما اظلمّ الليل؛ نزل من الشجرة التى كان يأويها، فدخل بعض تلك الاوكار التى حفرها للفراخ، وكمن فيه؛ فأقبل الثعلب الى ذلك الوكر، ليفعل ما كان يفعل بالفراخ وامّهاتها، فأدخل يده في الجحر، فقبض على رأسه، فصار ملك الطير يفرقه. فقال للثعلب: لقد نصحتنى فيك الطير، لو قبلت نصحها! قال الثعلب: انت هو؟ قال: نعم. قال الثعلب: ما ظننت انه يبلغ من حمقك كلّ هذا. قال ملك الطير: فدعنى «1» ، ادرك في منزلتك بحسب ما رأيت من فضل اعمالك، ولطف حيلك قال له الثعلب: ان ابويّ ادّبانى ان لا يعلّق انيابى بشى ء من الدوابّ والطير، فأتر كه او تعجزنى. او ليس من جهلك، ان لا تجتزئ «2» بالثمار ومن الاكنان لفراخ جنودك، ما كان آباؤك يكتفون به، ثم لم ترض حتّى اختبرت أمرى بنفسك؛ ولم تجعل التغرير لغيرك؛ ثمّ اكله، ودفن ريشه. وفقدت الطير عظيمها، فاحتوشت الثعلب ضربا بمخاليبها ومناقيرها، حتى قتلته. ولم يصرن في عظيم خطر ملكهم الى اكثر من قتل هذا
(1) . تاريخ: اعف عنى
(2) . تاريخ: تجز