يصبر من جانب السلوّ عزمه، ولم يعزم من شايع التلهف على ما فاته؛ فانّ كل فرع يرجع الى اصله، وكل وهن ينسب الى سنخه. قالت: صدقت، ودعى عنك كلام الادب لأهله، وانى ملكتك على رغم أنفك، وانا مزوّجتك من فلان خادمى، فليس عندك فضل عنه، بل الفضل له عليك. قالت ابنه السائس: من اعتاد معالى الامور، لم تطلب «1» نفسه لأسافلها؛ ومن صاحب العظماء، أبت غريزته عن الادنياء؛ وانّما ترقبّت عطفك ورجوع لطفك، ورجوت حسن نظرك؛ فأما اذا عزمت على هذا، فقد طاب الموت؛ وما الذى استبقى منك.
ثم قالت: ايّها الملك؛ ان درك المسرة منك، لا يستقر ولا يقع موقعها، الا بعد نفى المخافة عنك؛ فاحترس من هذه الهنديّة، فانّها لا تؤمن عليك، لانّها ليست من جنسك؛ فيعطفها عليك الرّحم، ولا من اهل مملكتك فتفرغ عليها طولك، وانما هى سبيّة موتورة، قد قتلت أباها، وهدمت عزّها؛ فاحترس منها، ولا يلهينّك موقعها من قلبك عن جواز مكرها بك. فانّها متى امكنت اغتيالك «2» وقتلتك، ولم يكن في أيدينا من الظفر الا قتلها، كما كان بين الثعلب وعظيم الطير. قال الملك: وما كان من حديثهما؟ قالت: يقال فيما يضرب من الامثال الماضية: انّ ثعلبا استجاع ليلا، فرقى شجرة، ليأكل من ثمرها. فسال الوادى الذى فيه الشجرة بسيل شديد، فاقتلعها، والثعلب فيها، ثم رفعها رفعة السيل، وخفضها حتّى ألفاها على ارض بعيدة من ارضه التى كان يعرفها ويكون فيها. فأصبح قد ألقاه الماء والموج الى جبل «3» ، كثير الاشجار مثمرة الاغصان، وعلى تلك الاشجار جنس من الطير كثير، ولا يحصى عددا. فأقعى على صخرة نصبا مقشعرا، سيئ الظنّ، لا يعرف ارضه، ولا يقدر على مؤالفة الدوابّ التى كانت تشايعه. فمرّ به عظيم الطير؛ فقال له: من انت، فانى أنكرك في دوابّ جيلنا، ولا اعرفك في سباع ارضنا، واراك صغير الخلقة منكر النظر؟ قالت: انا دابة سال بى السّيل من ارض اخرى، فألقانى في جبلكم هذا، وقد اصبحت غريبا، لا اعرف لى الفّا «4» ، ولا استطيع رجوعا الى ارضى؛ لانّى لا اهتدى الى الطريق، ولا موافقة رفيق، ولا اعرف المسلك فقال له عظيم الطّير: فهل لك حرفة او صناعة تتعايش «5» منها؟ قال: نعم، اعرف الثمار اذا بلغت حدّ بلوغها، وادركت حّد ادركها، واصنع للطير اكنانا في الارض تكّنّ فيها افراخها من الريح والحّر والبرد. قال له عظيم الطير: قد ادركت عندنا بغيتك. فلربما عجّلنا الثمر، فأكلناه قبل وقت نضجه، فلا نجد له
(1) . تاريخ: تطب
(2) . تاريخ: ملكت وتمكنت احتيالك، النهاية: اختالتك
(3) . النهاية: وقد لقى روحه في جبل
(4) . النهاية: لى الفا
(5) . تاريخ: تتعّيش