منها شيئا، الا اجتمعت «1» مسرّته في ذلك الشى ء، ولا يتزايد سروره إلا امتزج ذلك السرور نشاطا. فبينا «2» هما في صبيحة اليوم الثالث يتلاعبان، ويذكران طرائف «3» الاحاديث؛ اذ دخلت عليهما جارية لابنة السائس، فحيت الملك بتحّية الملوك، ثّم قالت للمرأة: ان سيّدتك يعنى ابنة السائس- تقول لك: ثلاث خصال اجتمعن فيك ايتها الهندية: احدها الغدر بمعلّمتك، والثانية فضل تطاولك، والثالثة كفرانك نعمة المنعم عليك؛ وانا عن قريب رادّتك من الملك الى غصص الغيض بريقك «4» ، وعادة الذل يعركك «5» ، فافحمت «6» الامرأة حصرا، وهملت عيناها دموعا، ونظرت الى الملك كالمستعتبة. فقال لها الملك: يا حبيبتى! ما يكرهك من أمتك، فقد وهبتها لك وجميع ما ملكت، وهجرت كل أمرأة لى غيرك، فامضي بها ما تمضين في أحد خدمك؛ فعند ذلك تجلّى عنها غمّها، وتبدلّت بعد الحزن سرورا وفرحا، والرسول يسمع ذلك. فقالت للرسول: انطلقى اليها فاعلميها: انّ الملك قد وهبك وما تملكين لى «7» ؛ وقولى لها: رجعت في فحشك الى خصال ثلاث:
منعك الوقار، وتوهين الفرق وسلمك الاناءة واستولى عليك البذاء واعتلاك المحل. وهنّ لؤم حسبك ودناءة منبتك واهمال ادبك. فامضى الىّ هذه الساعة في غير حلىّ، فلا تؤت زينة بصغار المذّلة ورقّ العبودية وخشوع الاستكانة. فلما ابلغتها الرسول ذلك؛ جعلت تخلع ثيابها وتنزع حليّها؛ وتقول: من جهل نفسه، كان بعيدا من معرفة غيره؛ ومن عزّزه الملوك، كان اقرب ما يكون من ذلّ وسقوط؛ ومن آثر غيره، وأطاع عدوّه، جنى على نفسه. ثم أقبلت، حتّى دخلت عليها؛ فحيّت الملك «8» بتحّية الملوك، وقامت بين يدى المرأة ناكسة رأسها. جامعة يديها الى صدرها. فقالت لها الهنديّة. ما كان الذّ عيشك واعظم زهوك، وكذلك من لم يثقفه الحسب، لم يدرّبه الادب. قالت المرأة. يا سيّدتى اتأذنى لى في الكلام؟ قالت: تكلمّى؛ واعلمى: انّ اقرب شافع من المذنب صدقه، وانّ آثر ما يعتذر منه اعترافه بزلتّه. قالت لها ابنة السائس: ايتها السيّدة من ملّك الجهل معرفته، جاوزبه التفريط حدّه؛ ومن طلب اكثر من حقّه، غلب العلم على قصده؛ ومن جهل نفسه على قبول ما نهى اللّه عنه، جدعت أنفه، ومالقيت متوجهة اليك بشى ء هو املك بك من حلمك، ولا أعطف على نقصى من فضلك، ولم يطلع من رفع من فوقه افضل منه، ولم
(1) . النهاية: زادت
(2) . تاريخ والنهاية: فبينما
(3) . النهاية وتاريخ: ظرايف
(4) . تاريخ: برقيك
(5) . النهاية: بعركك، تاريخ: وإعادة الذل تعذب كل با
(6) . تاريخ: فافتحمت
(7) . تاريخ: قدوهبها هى وما تملك يدها
(8) . تاريخ: الملكة