فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 486

استوجب منهم الاستيثار عليه، وازداد من مكافأته بعد اوان اكرام ذوى الدناءة من سوء الادب. فانه لا يخلو من ثلاث من جهل نفسه: مبارزة من فوقه، وتطاول على من هو افضل منه، وكفر معروفا قد اسدي اليه، فان ذلك لؤم من فعله، وانا احذّرك ايّها الملك من هذه المرأة، ان يصيبك منها أمر كما اصاب الجرذ من الحدأه. قال: وكيف كان ذلك؟ قالت ابنة السائس: زعموا ان جزذا صحب قنبرة دهرا يفاوضها سره وينازعها حديثه وامره، فلا يلهو بغيرها في خلواتها، ولا تنازعه الى سواها نفسه. فبينما القنبرة تلفظ ما تاكل، إذ نظر الى حدأة قد وقعت على ثلمة فقالت القنبرة للحدأة: ويحك انت الدهر مطاطئة براسك في الارض لقذر تختطفيه او لطائر اصغر منك تقتنصيه، لا يوقّرك نزاهة وتراقبين معادا.

فقالت لها الحدأة بأىّ شى ء تتبجّحين علىّ؟ قالت القنبرة التبجّج بعفّتى من طعمتك ونزاهتى عن سيرتك، وافخر عليك بصاحب لى قد كفانى بتجربته، وجادلى بمودّته، لا يرى متابعة الصاحب ذلّا ولا الاعراض عن يسره عسرا «1» . فقد أباح لى ثمرة قلبه لبس النصيحة، فاجتمع لى فيه الامن للمكاره والطمأنينة الى وفائه. قالت له الحدأة: ومن صاحبك هذا؟ قالت القنبرة: هو جرذ بموضع كذا وكذا. فوقع في نفس الحدأة، فطارت حتى سقطت قريبا من مكان الجرذ، فنادته، وقالت: ايها الجرذ، ان بك اشد الحاجة الى صاحب من الطير اقوى من القنبرة. وما عسيت انّ القنبرة تعينك «2» فيه على دهرك مع صغر خلقتها، او تمتّعك «3» به مع ضعفها؛ فان شئت صادقتك، فرددت عليك فضل صيدى، ولعلّى ان ازداد في معيشتى بفعلك. قال الجرذ للقنبرة: ا ما ترين ما تدعوني اليه هذه الحدأة من صحبتها؟ فقالت القنبرة: انّ صحبت هذه الحدأة؛ تركتك، وما نازعت اليه، حتى يرّدك تجربة الاصحاب وقد استبدلت براحة الوفاء مردود عاقبة الغدر. قال الجرذ:

لعلىّ اجد عندها فضلا انصرف عنه. قالت القنبرة: فشأنك اذا. فاصطحب الجرذ الحدأة زمانا، والحدأة تردّ فضل صيدها على الجرذ، مقترحة ذلك منها. ثم انّ الحدأة استجاعت ذات يوم، فلم تجد شيئا تأكله، ولا يكفى الجرذ به لما عوّدته. فقالت محسّنة «4» لنفسها الغدر الذى جبلت عليه: ليس الجرذ من جنسى فأرحمه، ولا من سباع الدّوابّ فأضعف عن أكله، ولست ممن ينسب الي الوفاء، فيحسب «5» غدري به عليّ عارا؛ فدنت منه، فاختطفته، لتأكله فقال الجرذ: لقد أسرع بك الغدر اليّ دونك، وأقعدنى ضعفى عن

(1) . النهاية: عنى بره عزا، تاريخ: عنى يسيره عزا

(2) . النهاية: تغنيك

(3) . النهاية: وتمنعك

(4) . النهاية: محببة

(5) . تاريخ: فيحتسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت