المؤثرين ما فيه مصلحة الناس، وازيل عنهم الضّر والباس، واعمل برأيهم، وأنصف المظلوم، وأقمع الظالم. فان نقصت شيئا من هذه الشرائط كّلها التى عددت، ولم ابلغ فيها فوق ما وعدتكم؛ تبرأت اليكم من الملك. وانا اشهد اللّه على ذلك، ثمّ موبذان موبذ، وهو العدل فيما بينى وبينكم، وانا مع هذا راض بما أعلمتكم من وضع التاج بين أسدين ضاريين. فمن تناوله، كان أولى بالملك من صاحبه. فلما سمع القوم ذلك من مقالته، وما عرض من نفسه، قالوا احلنا يومنا لننصرف ونتناظر فيما بيننا، ونأتيك غدا بما نعزم عليه من شأننا. قال بهرام انصرفوا في حفظ الله. فانصرفوا، وجلسوا عشيّتهم تلك، فتناظروا، وقالوا: لا نقدر على ردّ قول بهرام، ولا نجحد شيئا مما قاله: وان اتفقنا «1» على صرف الملك عن خسرو، تخوّفنا ان يكون في ذلك ما يكره من محاربته. وقد بذل من نفسه وضع التاج بين اسدين، فان قدر على اخذ التاج من بين يدى الاسدين، فالصواب ان نسلّم الملك اليه.
فان افترسه الاسد، سلمنا من معرتّه. فاجتمعوا على ذلك فلما كان من الغد، اقبلوا الى بهرام، فاستأذنوا عليه بالدخول، فأذن لهم فلما دخلوا، سلّموا. وبعد ردّ السلام أخذوا مجالسهم، فتكّلم بهرام، فقال: على ما ذا عزمتم، أعلمونى ما اجتمعتم عليه، لأعلم ما اصنع. فقال القوم: انا قد بايعنا الرجل، وقد اتّفق رأينا على الرضى والتسليم بما بذلت من نفسك مع وضع التاج بين اسدين ضاريين، فتنازع انت وهذا الرجل الذى بايعناه. فأيّكما سبق اليه، سلّمنا اليه الملك. فرضى بهرام بذلك، فقام موبذان موبذ، فأخذ التاج، فوضعه ناحية. وانطلق الاصهبذ فجاء بأسدين مجوّعين، فشدّهما عند التاج. فقال بهرام للرجل الذى ملّكوه: دونك التاج. قال الرجل: انت اولى بالبدو مني «2» ، لانّك طلبت الملك بالوارثة، وانا فيه مغتصب «3» . فلم يكره بهرام قوله لثقته بنفسه ورباطة جأشه. فتناول عمودا من حديد غليظا، وتوجّه نحو الاسدين. فهتف به موبذان موبذ: بوء بذنوبك، وتب الى ربك، ثم اقدم ان كنت فاعلا. فباء بهرام بذنوبه، وتاب الى ربه، ثم مشى نحو الاسدين؛ فبدر اليه احدهما ليثب عليه، فوثب اليه بهرام، فركب ظهره، وعصر جنبى الأسد بفخذيه عصرا اثخنه حتى زلزله. وشّد «4» الآخر عليه، فرفع بهرام العمود، فضربه على امّ راسه، ثم تناول اذنيه، فجعل ينطح رأسه برأس الاخر وصار يضربهما بعضها ببعض، حتى قتلهما جميعا. ثم تناول التاج، فوضعه على رأسه وقال: من كان به جرأة فليتقدم الىّ. فتعجّب الناس، ونكسوا رؤوسهم وصار كلهم ينظر صاحبه شررا ويرمقه خزرا. فكان اول من
(1) . النهاية: نافقنا
(2) . تاريخ: الدنو
(3) . النهاية: مغصوب
(4) . تاريخ: فوثب