رجل من عظماء المملكة الى المنذر، فجلسوا على تلك البساط، واصطفّت الناس صفوفا.
فأمر المنذر بهرام، فعلا المنبر، وجلس هو وجلس المنذر معه على يمينه وابنه النعمان على يساره. ثم اذن للقوم. فدخلوا، وحيّوا بهرام، وسلّموا عليه، وأظهروا تعظيمه واجلاله.
ثم قالوا للمنذر: يا سيّد العرب لا تلمنا على ما كان منا من صون «1» الملك عن بهرام، فقد لقينا من والده يزدجرد مالم تلق امة قبلنا من ملكها من فظاظته، وسوء سيرته، وفحش لفظه، وشدة عتوّه وحقده وشدّته، وبعده من الرحمة، ومعه من الادوات ما كان يأمر بالتعذيب بها مالم يعذّب احد قبله من الملوك، فلن نأمن ان يسير بهرام فينا بسيرة ابيه، وخفناه لما أصابنا من الظلم والجور من ابيه، فيصيبنا منه مثل ما أصابنا من ابيه، ولم نأمنه.
فولينا رجلا من اهل هذا البيت الذى نحن منه آمنون وفيه راغبون ونحن غير خائفين من غائلته، فلا تلمنا في ذلك فإنّا معذورون.
قال المنذر لبهرام: انت اولى باجابة القوم والاحتجاج عليهم، جوابا غير مخذول، وتكلم بكلام معقول. فتكلّم «2» بهرام بلبّ اصيل وقلب رصين وتودد وركانة «3» ، فقال: قد فهمت جميع ما ذكرتم من سوء سيرة ابينا، وفظاظته غلظته، وبعد الرحمة عنه وسوء هديه «4» وخبثه مع رعيّته. ولست اكذبكم في شى ء قلتموه وانا منكم لطرائقه طاعنا عليه في سوء سيرته، ولم يكن غيبتي عنه إلّا لانكاري عليه ما كان منه. وانّى لارجو ان أصلح كل فاسد، وأشعب كل صدع واجمع كل ما شتت، واعمر كل ما خرب، وابدل الاشراف بكل وضيع قرب وأعدل بالرعيّة واسير بسيرة هدية وابدل للرعية بمرارة ما ذا قوه من جوره حلاوة العدل، والّم لهم الشمل، واوسعهم خيرا، وارفع عنهم كل ظلم وجور. وهذا رأيى فيكم، ان انصفتم من انفسكم، ورجعتم الى ما هو أعود منكم، وعليكم بالطاعة وعلىّ بالعدل والاستطاعة وحسن السيرة، ولا تحاولوا ان تزووا «5» تراث آبائى عنّى، وعرفتم «6» حقّى وما يجب عليكم من حق آبائى واجدادى القدماء الذين حاولوا اصلاحكم، ومنعوا عنكم اعداءكم ورأفوا عليكم، وحموا اقاصيكم وأدانيكم. وانا لكم على ذلك العهد القديم والرب الرحيم. فلا تواخذونى بما كان من ابى اليكم وقد عرفتم طباعه، وكل ملك له سيرة واطاعة. فانّى قد استوجبت هذا الملك لثلاث خصال: اولها انّى وارث الذى تناهى الىّ ملكه. والاخرى بما أعطانى اللّه من الذكاء والشجاعة والنجدة و
(1) . النهاية: صرف
(2) . النهاية: فاشار
(3) . تاريخ، تركين
(4) . تاريخ: هيئته
(5) . تاريخ: ترادوا
(6) . تاريخ: واعرفوا.