يزدجرد لم يخلف ولدا يحتمل الملك الا بهرام، ولم يل ولاية قط، ولم يتأدّب بأدب العجم، وانما أدّبه العرب، وخلقه كأخلاقهم، وكلامه كلامهم. فينبغى لنا ان نتقيه. فانا لا نأمن ان يسير بسيرة ابيه في الفظاطة وسوء الرعاية والاقدام على العظائم. واجتمعت كلمتهم وكلمة العامه على صرف الملك عن بهرام الى رجل من آل اردشير بن بابكان يقال له خسرو فملّكوه عليهم، فانتهى بغى يزدجرد وما كان عليه من اجتماع اشراف المملكة، وعظمائهم على تمليك خسرو من آل أردشير من بابكان، وبهرام بالحيرة عند المنذر.
فأمر المنذر النعمان بالخروج معهم مع بهرام الى المدائن في الف رجل من اشراف العرب، وأعلمها انه مستجيش «1» اليهما الجيوش وهو خارج بمن يجتمع اليه معهم. فسار معهم بهرام ومعه النعمان بن المنذر، حتى قدموا، فنزلوا على رأس ميل من المدائن في الفساطيط والخيم والقباب. واستجاش المنذر قومه من العربان والوديان والقيرانا، فاجتمع اليه اثنا عشر الف رجل من اشرافهم وابطالهم، فوضع لهم العطاء السنى، وفرّق فيهم السلاح والدروع والكراع والرماح وسائر العدة، وسار في أثر بهرام، فوافاه في اليوم السابع، فنزل بعسكره معهم. وبلغ اهل المملكة قدوم بهرام بجيوش العرب، فاجتمع عظماؤهم وأشرافهم واهل المراتب، فقالوا: انّ بهرام قدم بهذا الجيش من العرب، ولا ندرى ما الذى يريد. واختاروا رجلا من نسّاكهم يسمّى جوانيه، وسألوه ان يأتى بهرام، فيسأله عن حاله، وما يريد. واقبل جوانيه، حتّى دخل على بهرام، واحسن مساءلته، وسأله عن اسمه والبيت الذى هو منه. فأخبره جوانيه بكل ما سأله عنه. فقال جوانيه: ان اهل المملكة بعثونى اليك، لأسالك في ما قدمت وما الذى تريد قال بهرام: ان اهل هذه المملكة يريدون ظلمى وصرف الملك عنّى وانى قد عزمت في ما ترى لأطلب تراث آبائى، والملك الذى توارث واحد عن آخر وآخر عن اول. فإن ينصفونى، ويسلّموا ملك ابى الىّ؛ فذاك اولى بهم. وان ابو الا التمادى في تضييع حتى وانكار فضلى وصرف مملكتى عنّى، ناجزتهم الحرب والطعن والضرب بمن معى من العرب. وانا ارجو ان ينصرنى الله عليهم لبغيهم علىّ وظلمهم ايّاى فلما سمع جوانيه ذلك الكلام من بهرام؛ علم انه قد صدق، وايقن ان القوم مخصومون وان حاربوا مقهورون. فانصرف اليهم، وأخبرهم بما سمع من بهرام. فأرسل العظماء والاشراف الى المنذر يعلمونه مصيرهم اليه.
فأمر المنذر بمنبر آبنوس مضروب بصفائح الذهب الاحمر مفضّص بأنواع الجوهر، فنصب في مضرب بهرام، وأمر ببساط امام ذلك المنبر عن يمينه وعن شماله، فأقبل مائة
(1) . النهاية: يستجيش، تاريخ: متجيش