الماء، فلم يعرف القوم الليل من النهار؛ حتى انزل اللّه «عزّ وجلّ» الى نوح خرزتين بيضاء وسوداء، فكانت البيضاء بالنهار تغلب السوداء، والسوداء تغلب بالليل البيضاء.
وكان نوح اوّل من قدّر الساعات مواقيت الصلاة؛ فجعل النهار اثنتي عشرة ساعة، والليل مثل ذلك.
قال فلما اتت عليهم الايّام والليالى كثر الفأر في السفينة، حتى تأذّى النّاس بها؛ فمسح نوح بيده على رأس الاسد، فعطس الاسد، فخرج من منخره هرّتان ذكر وانثى، فكانتا لا تدعان من الفأر شيئا الّا اكلتاه.
فلما تمّ الماء فيما يقال- والله اعلم- اربعين يوما، نقص الماء، فاقبلت السفينة تأخذ نحو الموصل، ومايلي تلك الارض. فلما انتهت الى ارض باقروش وباريدى، «1» صارت الى جبل يسمى الجودي، «2» فاستوت عليه، وحفّت «3» فيه، فثبتت.
فلما رأى نوح ذلك، علم ان الماء قد اخذ في النّقصان؛ فقال نوح للغراب: انطلق حتى تأتي بخبر الماء. فطار الغراب لينظر هل يبين شئ من رؤوس الجبال؛ فانتهى الى رأس جبل قد نضب عنه الماء، وظهر فيه حمار ميّت، فاشتغل الغراب باكل الحمار.
ثم ان نوحا دعا الحمامة المطوّقه، فأرسلها؛ ثم صارت الى رأس جبل قد ظهر فيه طين؛ فلوّنت عنقها بذلك الطين ورجليها وساقيها، ليعلم النّبىّ نوح انّ الماء قد أخذ في النقصان، حتى اشرفت على بعض الامكنة، وظهر فيه الطين ثم أقبلت نحو السفينة بزيتونة وورقها، واتت به نوحا؛ فبشّر به اصحابه بنقصان الماء ونضوبه؛ وارتهم الطين في رجليها وحلقها؛ ورمت بين يديه ورقة الزيتون التي بدت على رأس الجبل. فدعا لها نوح؛ وقال لها: جعل الله بشارتك ان يكون هذا الطين الاحمر، الذى لطخت به رجليك، خضابا لك ولولدك الى يوم القيامة، ورزقك المحّبة في قلوب العباد، وجعل لحمك داء للصّحيح ودواء للمريض.
وان نوحا، عليه السلام، خرج من السفينة فيمن كان معه من اصحابه، واخرج معه جسد آدم، وسرّح ما كان في السفينة من الوحش والسباع والهواّم، فتفرقّوا في البلدان،
(1) . تاريخ الأصمعى: باقردى وبازندى
(2) . قال ابنا الاثير: وطافت السفينة بالارض كلّها، لا تستقرّ حتّى اتت الحرم فلم تدخله. ودارت بالحرم اسبوعا ثم ذهبت في الارض تسير بهم، حتّى انتهت الى الجودىّ؛ وهو جبل ب «قددى» ، بارض الوصل؛ «الكامل في التاريخ: م ص 72، 73» .
وينظر أيضًا: تاريخ والطبري- طبعة «شركت انتشارات- جهان» : ج 1 ص 196
(3) . تاريخ الأصمعى: جنحت