واولادنا، ولا ندري ما يحلّ بهم بعدنا. فاقبلوا حتّى اتوا اخا للملك كان يسّمى عمرو بن تبع. فقالوا له: ان الملك قد عزم على المسير الى ارض الصّين، فنتغيّب عن بلادنا واولادنا، وانت انظر لقومك منّا. فهل لك ان تقتله، فتريحنا منه حتى نمّلك «1» ، فترجع بنا الى ارضننا؟ فوقعت هذه الكلمة في قلبه، والملك عقيم. فقال: اني لا آمن ان تغدرو ابي ان قتلته، ولا تملّكوني فيكون قد قتل اخي باطلا. فأعطوه جميعا العهد والميثاق على الوفاء الّا رجلا واحدا خلفهم «2» ، وقال للقوم: ان قتلتم ملككم ظلما، خرج الامر منكم. فلا تفعلوا! فلم يكترثوا بكلامه. فأقبل ذلك الرجل بصحيفة فيها كتاب، قد أتى بها عمرو بن تبع، وقال: ايها الملك، لتكن هذه الصحيفة المختومة وديعة لي عندك الى وقت حاجتى اليها. وكان ذلك الرجل يسمى ذارعين. فامربها عمرو، فاحرزت عنده، واقبل عمرو حتّى دخل على اخيه حسّان بن تبع، وهو نائم، فقتله، وملك القوم، وانصرف بهم الى بلادهم وارضهم. وكان ملكه عشرين سنة: فسلّط الله على عمرو السهر بقتله اخاه، فكان لا ينام الليل اجمع. فجمع اليه العرّافين والكهنة، فسألهم عن ذلك فقالوا: ايّها الملك انما اتيت هذا من قتلك لاخيك، فانّه يقال: من قتل اخاه ظلما؛ سلّط الله عليه السهر، وحرم النوم.
فقال: هذا صنيع اشراف حمير ومشورتهم علىّ، وخديعتهم لي، حتّى انّي قتلت اخي، وذلك لمحبتّهم الانصراف الى بلادهم. فقتلت اخى، ويا ويلتاه، ويسترحمون غبّ رجوعهم. فعجل يرسل الى الرجل بعد الرجل ممّن والاه على قتل اخيه، فيقتله، حتى قتل منهم خلقا كثيرا. ثم ارسل الى ذي رعين ليقتله، فقال ذو رعين: ايّها الملك انى خالفت القوم فيما زينّوا لك من قتل اخيك، قال: ومن يعلم ذلك؟ قال في الصحيفة التّي استودعتكما «3» في ذلك اليوم، فامر ان تخرج إليه! فأخرجت، ففكّ ذورعين الصحيفة، ودفعها الى عمرو، وقال: اقرأها ايّها الملك! فقرأها فاذا فيها هذه الابيات:
الا من يشترى سهرا بنوم ... خليّ من بيت «4» قرير عين «5»
فان تك حمير غدرت وخانت ... فمعذرة الا له لذي رعين
(1) . الصحيح: نملّكك؛ كما في الاغانى: 22/ 319
(2) . النهاية: خالفهم، تاريخ: اخلفهم يبدو الصحيح: خالفهم
(3) . الصحيح: استودعتكها
(4) . النهاية: بيات، تاريخ: بقيت
(5) . في الاغانى: 22/ 319: سعيد من يبيت قرير عينى