لا يقيمون ببلد ليس فيها ملك عدل وطبيب عالم وماء جار. والواجب على الملوك إجهاد انفسهم في مصالح الرعّية والذبّ عنها. ويجب على الرعيّة الشكر لله على ما وفّق لهم من الملك وبسط العدل والرأفة والرحمة والمعدلة، فليس بسعيد من لم يشكر ربّه على ما أولاوه من نعمة وفضل من فضله ويد من أياديه وفائدة من فوائده. وانّما يجب على الملك دون من سواهم من النّاس عرض ما سلف من اعمالهم على انفسهم، لاثبات ما كان من انفسهم صالحا، وشكر الله عليه، ونفى ما كان سمجا «1» والتوّبة منه، والعزم على ترك العود فيه. وانّ اقّل ما يجب لله على الملوك الّا تفتر ألسنتهم عن شكره، ولا تنصرفّ قلوبهم عن طاعته، ولا يفتروا عن مصالح عباده وعمارة بلاده، واقامة أود من انفرج من رعاياهم، وتأديب من جهل منهم، واجترار منافعهم اليهم. كل ذلك بالنظر لهم والاستصلاح لمدبرهم، ويؤثر ذلك على جميع عمله وجبابة خراجه وتوفير بيوت امواله.
واعلم يا بنيّ انّه لا شى ء أزين بالملوك من اربعة اشياء: العدل في رعيتّه، وعمارة بلادهم، وضبط ملكهم من اعدائهم، ومنع قويهّم من ضعيفهم. فهذه اربعة اساطين الملك واعمدة السلطان. ولا بدّ له مع ذلك من اصطناع المعروف الى من استحقه «2» ، ووضع الشّرف مواضعه، والرحمة للضعفاء. فهذا جميع ما ينبغي ان تستعمله في امرك مع تدبير ملكك فاعمل على ما مثلت لك في هذا الكتاب، ولا تخالفه ان شاء الله، وعليك يا بنيّ بعد ذلك بافادة العلم من مظانّه واستعماله في أماكنه. فان العقل لا يصلح إلّا بادب، كما ان الارض الطيبة لا تصلح الا بالماء، وان الادب يرقق القلوب، ويذكّى الفؤاد، ويدعو الى حسن الخلق. ومن لا أدب له لا حلم له، ومن لا حلم له لا ورع له. فان ارقّ الناس قلبا اكثرهم للموت ذكرا، وأقسى الناس قلبا اطولهم املا. وافضل الأعمال ما كانت لصاحبها. منالا. وخير الكنوز اصطناع المعروف والصدقة والاحسان. وافضل الناس علما اقلّهم في الامور شكّا، وأحزمهم رأيا اكثرهم استشارة. وافضل الناس حزما من كان لهواه وشهوته قامعا.
ورأس العقل مداراة الناس «3» . يا بنى ليلك ونهارك اربعة وعشرون ساعة. فاجعل منها ساعة للهوك ولذتك، واحدى عشرة ساعة لتدبير ملكك، واثنتي عشرة ساعة لافادة العلم. فانّ العقل بلا علم كالارض الطيّبة بلا ماء. واعلم انّك لست برعاية احد من الناس احقّ منك برعاية حق الوزراء الناصحين الّذين تصيب عندهم فضل الرأي، وليكونوا ترجمة بينك وبين رعيتّك. وحق الوزراء عليك ان تسمع كلامهم، وتقبل مشورتهم، و
(1) . تاريخ: سبحما
(2) . تاريخ: يستحقه
(3) . لا يوجد في النهاية