وجودة قتالهم ومبلغ صبرهم ونجدتهم. فيكتب فعل رجل رجل وبلاه ونصحه. فاذا رأى رجلا منهم له صبر في الحروب ونجدة وبأس واقدام ورمي معجب! وبارز بين صفّين، فظهر عليه؛ كتب بجميع ما يرى من ذلك، ونسبه الى صاحبه، ويرسل الكتاب الى الملك، فيأمر صاحب الديوان ان يكتب فعله مع اسمه في الديوان، فيعرف بلاء رجل وموقفه، فيعرفون بذلك، ويحسن جوائزهم، ليغتبط بذلك سواهم، ويحرّضوا على بلوغ مبالغهم.
فكان رجل من الاساورة يقول اذا افتخر انظروا في ديوان الملك ما تجدون من بلائى في المواطن. فلم يكن يضيع عنده بلاء ابلاه احد، ولا ينسى صنع من احسن منهم. وكان اردشير يأمر بصلة من اصيب في طاعته، فيستوصي بهم خيرا، ويتعاهد ويتفقد امورهم.
فكان ذلك يزيد الاساورة احتشادا في الحرب، ومباراة في المال، وصبرا في الروّع ابتغاء الذكر، مع ما كان يعجل لهم من الكرامة والحباء «1» . فهذا كان تدبيره في اختياره الاساورة.
تدبيره في اختياره الكتاب
وكان اردشير بابكان يأمر من حضر بابه من الشباب الذين مهروا في المكانة ان يجمعوا. ويختار منهم من يرضى لبّه وعقله ونبله وهمّته، ويثبت اسماءهم واسماء آباهم. وامر أن يحضروا كتّاب الملك ليأخذوا عليهم ويأخذوا من هديهم وآدابهم. فاذا استبان من عقل الرجل منهم ولّبه وهديه ونفانذه «2» في الكتابة والحساب، اخبر الملك بأمره. فيدعو به فيستنطقه. فاذا رضيه؛ وجّه به مع بعض عمّا له في النواحي، ويجري عليه ما يصلحه، ويقيمه، ويتقدّم اليه ان لا يظلم احدا من الرعية. ولم يكن يوّجه أحدا من عمال المعادن واصحاب الخراج الّا بعث معه كتابا من قبله قد رضيه، ووثق بأمانته. ولم يكن احد من العمّال يستطيع ان يستكتب احدا من النّاس لا ولدا ولا اخا ولا صديقا، الا من يوجّهه الملك معه. ولم يكن يتجسّر كاتب ان يبيع غلاما ولا رفيقا الا بأمر الملك وعلمه وأذنه ورضاه. وكان يرى الكتّاب، منزلا لا يراها لسواهم ويقول: هم نظام امورنا والسنتنا الّتى تنطق وعدّتنا الّتى نعتدّبها لتناول عدونّا في الارضين القريبة والبعيدة. وهم امناؤنا وأمناء رعايانا الذين يحفظون علينا، وعليهم حسابنا، وهم العدول بيننا وبينهم، وهم المعبّرون عنّا وعن رعايانا. فحقّهم علينا واجب لذلك، ولما يكون من أسرارنا، وجسيم امورنا عندهم. فهذا كان تدبيره في اصطناع الكتاب.
(1) . تاريخ: الجد
(2) . الصحيح: ونفاذه