تدبير اردشير في اختياره القضاة
وكان اردشير بابكان يأمر امينا قد اتخّذه من اعلم اهل ملّته «1» بدينهم، ان يسأل عمّن يحضر بابه وفى اقطار بلاده عن جميع من يذكر بالنّسك في دينهم والفقه في ملتّهم، ممّن يرضى حكمه وفهمه وسنتّه وتجربته ومكانه من اهل بيوتات الشرف، فيكتب ذلك الامين من اسماء من كان من هذه الطبقة واسماء آبائهم وشعوبهم. فيدخل الى الملك ويدخلهم فيدعوهم الملك واحدا بعد واحد، فيستنطقهم، ويمتحنهم، ويفتّش عن آدابهم وعلومهم وانسابهم. فمن كان من اهل الدرجة. العليّة، فيتحبس «2» من يرضيه منهم، ويصرف من لم يرضه الى مكانهم. فاذا بعث الملك الجباة والامراء واصحاب البرد؛ وجّه في كل كورة رجلا من هؤلاء الذين اختارهم، فيقضون بين الناس، ويتولّون مظالمهم، ويأخذون لهم من الولاة بحقوقهم. ولم يكن الملك يطلق للعامل والامير ولا الكاتب ولا صاحب بريد شيئا من القضاء بين النّاس، ويقول: انّ القضاء لا يصلح الالذوي الفقه في ملّتنا الّذين يعرفون ابوابه، والحكم فيه. وكان يقول: ان اولى من كرم علينا وعلى رعيتّنا اهل الفقه، ولا يصلح من الرّعايا الا بالانصاف للمظلوم وردع الظالم. وذلك افضل ما ينبغى لنا احكامه، لانّا اعظم النّاس في ذلك حظّا، واسعدهم بهم سعادة. وانّ الله تبارك وتعالى لم يكل حفظ امره الا الى الملوك الّذين استولاهم «3» حفظ عباده، وعطف قلوبهم على الضعفاء من بريّته، فيجب عليهم السعّى فيما يصلحهم الله «4» ، جلّت عظمته، به، ويمنع اقوياء هم من ضعفائهم. فهذا ما كان تدبيره في امر القضاة.
تدبير اردشير في البعوث والثغور
قال الشعبى: وكان اردشير اذا اراد أن يبعث الى عدّو بعثا، او يغذو جيشا؛ بدأ بالارسال الى عدوّه بالاعذار والانذار. فمن اعترف منهم بالطاعة، وادّى الحّق فيه؛ قبل ذلك منه؛ وبعث اليه الجباة، ومع الجباة كتّاب يتولّون الحكم بينهم وبينه. وبعث معهم قاضيا يحكمون اليه «5» ، ويحسم القاضي العالم «6» عن ظلمهم، ويقيم القاضي والجابي والكاتب ما يقيمهم من الارزاق. فان كان لاهل تلك الارض لغة غير الفارسية، او دين مخالف لدينهم؛ جعل رجلا من انفسهم قاضيا. ويأمر القاضى والعامل بحفظهم واستصلاحهم، ويقول
(1) . تاريخ: زمانه
(2) . المتعارف ان يقال: يحتبس
(3) . يبدو الصحيح: استوكلهم
(4) . يبدو الصحيح: يصلحهم عند اللّه
(5) . الصحيح: يحتمكون
(6) . يبدو الصحيح: الظالم