الملك ابعث لنستبري «1» ما عنده. فبعث اليه، فاتاهم. فقال له الوزير: ايها الشيخ انّك ادّعيت احياء الموتى بلا بيان ولا حجة. وقد نفق اليوم مركب كان افضل مراكب الملك، فأحيه لنا، ان كنت صادقا! قال الشيخ: قوموا بنا اليه، حتّى احييه لكم باذن الله، جّل وعزّ بقدرته. فقام الملك وسابور ابنه والوزير الى الاصطبل، والمركب متمدّد ميّت، فقال لهم الشيخ: ليأخذ كل واحد منّا بضلع من اضلاعه. وأبدأ انا فاقول شيئا، فقولوا كما اقول! فأخذ كل منهم بضلع من اضلاعه، وبدأ الشيخ، فقال: اللّهم ربّ عيسى بن مريم روحك وكلمتك الّا احييت هذه الدّابة كما ابتدأت خلقها ولم تك شيئا. وتكلّموا جميعا بذلك، فقام المركب على رجليه ينفض ناصيته. فلما رأى اردشير ذلك، بهت متعجبّا، وقال: ايّها الشيخ انك لذوشأن، فما أمرك؟ فاخبره انّه رسول رسول الله عيسى بن مريم اليه ليدعوه الى اللّه، جّل جلاله. ثم شرح له الدّين وقرأ عليه سورا من الانجيل. فآمن الملك وابنه سابور والوزير في ما يقال، والله اعلم. وانّ الملك جمع اليه عظماء جنوده واشراف مرازبته، فدعاهم الى ترك المجوسية والدخول في دين عيسى بن مريم. فتنادوا: لا اردشير ملك ولابرسام وزير. فلما رأى الملك ذلك. قال: ايّها القوم انّما بلوتكم لانظر كيف استحكام دينكم. ثم اسرّ الذى في نفسه وكذلك ابنه سابور ووزيره، فأحسن السيرة فيما استدعى وبثّ المعدلة «2» فيهم.
ذكر ما وضع اردشير من اسّ الملك ومهنة السلطان
وكان اردشير أوّل من وضع اساس الملك ومهنة السلطان. فتمثله نبوه بعده فلم يزالوا يستعملونه- الى ان جاء اللّه بالاسلام- وما وضع من أسّ الملك في تخييره الاساورة وكان اردشير اذا اراد أن يختار رجلا وأناسا فيفرضهم في ديوانه، ويجعلهم في اساورته، بعث رجلا امينا بصيرا بالرجال، عارفا بانساب العجم، ومراتب من سلف منهم، فيختار الشباب من اولاد الاساورة من اهل النشاط والحصافة «3» . فيأمر من رضى منهم ان يسلّم الى معلمي الرّمى والفروسية، فيتعلّمون الرّمى وركوب الخيل. فاذا مهروا بذلك، دعاهم الامين الموّكل بذلك، فيرموا بين يّديه، فينظر الى رميهم وخفة ركابهم. فاذا رضيهم امر باثبات اسمائهم في الديوان، ويحلّون جميع حلاهم، وينسبون الى شعوبهّم وقبائلهم. ثم يوجّههم في البعوث، ويوجّه معهم امينا من قبله لينظر كيف رباطة جأشهم وشدّة قلوبهم
(1) . النهاية: لنشاهد
(2) . النهاية: العدل
(3) . النهاية: الحصافة.